وساوس الرياء في العبادة

حيَّاكم الله وبارك اللهُ فيكم، أنا امرأة حامل، ولم يبقَ على موعد ولادتي إلا أسبوع، يمكن أن تطول أو تقصر المدة، مع الأسف طول فترة حملي لأسباب متعددة أو وهمية لا أعرف، لكنني انشغلت عن الله سبحانه بين الحين والآخر، وأصبحت المدة بين غفلة وأحيانًا صحوة، ولكنها لا تطول آخر الشهور مع الثقل، وطفلي الآخر ومسئولية البيت والزَّوج.
فكلما أردت أن أعود إلى الله بالعبادة والذِّكر والتَّوبة أنجح مرةً وأفشل مرَّاتٍ مع الأسف، والآن ومنذ أسابيع عديدة أريد أن أتوب إلى الله، أريد أن أجتهد في العبادة؛ فأنا لا أدري ماذا سيحصل بي؟ وهل سألد بالسَّلامة؟
وأفكر في الموت، وأحاول أن أستعد له؛ لأن كلَّ شيء واردٌ، لكنه تأتيني وساوس أن هذا نفاقٌ مني، وأنني لم أفعل أيَّ شيءٍ أو أجتهد إلا الآن، بعد أن اقتربَتْ ولادتي، ولأنني أخشى وأخاف، ومثل هذه الأفكار.
فأتردَّد في التَّوبة وفي الطَّاعة، وكلَّ يوم على هذا الحال؛ لهذا قرَّرت أن أراسلكم، عسى أن تُنقذوني من هذه الوساوس والأفكار، وهل لها أساس من الصحة فعلًا؟
إنني لم أفعل شيئًا ولم أقاوم نفسي الأمارة بالسوء، وأريد أن أفعل شيئًا الآن بعد أن اقترب موعد ولادتي وأصبحت بحاجة لله سبحانه والله المستعان.
وكأنني أتذكر الآية الكريمة التي تذكر حال الكفار عندما يحتاجون إلى الله سبحانه وهم في محنة وابتلاء يذكرونه، وعندما يكونون في سرَّاء ينسونه.
أنقذوني وساعدوني في حيرتي هذه، وليتكم لا تتأخرون علي في الإجابة، وأنا سأحاول بدوري أن أقاوم هذه الوساوس، وأن أجتهد، عسى ربي أن يُعينني ويأخذ بيدي ويقرِّبني إليه؛ لأنه أعلم بحالي وبما في قلبي.
بارك اللهُ فيكم وجزاكم اللهُ ألفَ ألفِ خيرٍ.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمَّا بعد:
فأسأل الله أن يَرُدَّك إليه ردًّا جميلًا، وأن يُفرِغ على نفسك سكينةً وعلى قلبك طُمَأنينة، وَلْتعلمي أن هذا القلقَ الداخليَّ علامةٌ على بقيَّة عافية في النفس وفي الدين، فاستبشري بها خيرًا.
وبادري بالتَّوبة إلى الله عز وجل ، واصدقي في ضراعتك بين يديه، واعلمي أن الله جلَّ وعلا يقبل التَّوبة من عباده إذا صدقوا، ولا يُغلق بابه في وجه مَن أناب إليه، ولا يُعيِّر تائبًا بذنبٍ تاب منه(1)، وهو أقرب لعباده من حبل الوريد(2)، وأرحم بهم من الوالدة بولدها(3).
وهي فرصتك الآن فاغتنميها، ولا تتردَّدي في طَرْق بابه بشعور العبيد المنكسرين، وأبشري بفرجٍ قريب، وربٍّ رحيم مستجيب. واللهُ تعالى أعلى وأعلم.
ــــــــــــــــــــــــــ
(1) فقد أخرج إسحاق بن راهويه في «مسنده» (3/953) أن عائشة رضي الله عنها قالت: «إن الناس يُعيِّرون ولا يُغيِّرون وإن الله يُغيِّر ولا يُعيِّر».
(2) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16].

(3) ففي الحديث المتفق عليه؛ الذي أخرجه البخاري في كتاب «الأدب» باب «رحمة الولد وتقبيله ومعانقته» حديث (5999)، ومسلم في كتاب «التوبة» باب «في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه» حديث (2754)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبيٍ؛ فإذا امرأة من السبي تبتغي إذا وجدت صبيًّا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته. فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْـمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟» قلنا: لا والله؛ وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَـلَّه أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا».

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend