ما حكم إلقاء خطبة الجمعة بغير العربية لمن لا يفهمون العربية؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فقد اختلف أهلُ العلم في اشتراط اللغة العربية لخطبة الجمعة على أقوال، أعدلها أن هذا ليس شرطًا في صحتها؛ لأن المقصود من الخطبة هو حصول الوعظ والنفع والفائدة، وذلك لا يكون إلا بلغة الحضور، وهو قول أبي حنيفة([1]) وبعض الشافعية([2]).
وهو الذي يقتضيه النظر، فإن الغاية من الخطبة الانتفاعُ بمواعظها، ولا يتسنى ذلك إذا ألقيت بغير اللغة التي يفهمها الحضور، وقد قال تعالى: â !$tBur $uZù=yör& `ÏB @Aqß§ wÎ) Èb$|¡Î=Î/ ¾ÏmÏBöqs% úÎiüt7ãÏ9 öNçlm; ( á [إبراهيم: 4].
وقد سئلت دار الإفتاء المصرية ( ما حكم إلقاء خطبة الجمعة باللغة الإنجليزية لأهل تلك اللغة من المسلمين؟ )
فأجابت (إلقاء خطبة الجمعة بغير العربية لغير الناطقين بها جائزٌ شرعًا، وإن كان الأفضل ذكر الآيات والأحاديث بالعربية وعدم الاقتصار على ترجمة معانيها؛ لتعويدهم على سماع العربية والقرآن، ثم تُترجم معانيها للغاتهم.)
جاء في فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء ببلاد الحرمين:
((لم يثبت في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدلُّ على أنه يُشترط في خطبة الجمعة أن تكون باللغة العربية، وإنما كان صلى الله عليه وسلم يخطب باللغة العربية في الجمعة وغيرها؛ لأنها لغته ولغة قومه، فَوَعَظَ مَنْ يخطب فيهم وأرشدهم وذكَّرهم بلغتهم التي يفهمونها، لكنه أرسل إلى الملوك وعظماء الأمم كتبًا باللغة العربية، وهو يعلم أن لغتهم غير اللغة العربية، ويعلم أنهم سيترجمونها إلى لغتهم ليعرفوا ما فيها.
وعلى هذا يجوز لخطيب الجمعة في البلاد التي لا يعرف أهلها أو السواد الأعظم من سكانها اللغة العربية أن يخطب باللغة العربية، ثم يترجمها إلى لغة بلاده؛ ليفهموا ما نصحهم وذكَّرهم به، فيستفيدوا من خطبته.
وله أن يخطب خطبة الجمعة بلغة بلاده مع أنها غير عربية، وبذلك يتم الإرشاد والتعليم والوعظ والتذكير ويتحقق المقصود من الخطبة.
غير أن أداء الخطبة باللغة العربية ثم ترجمتها إلى المستمعين أَوْلى، جمعًا بين الاهتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في خُطَبِه وكتبه، وبين تحقيق المقصود من الخطبة خروجًا من الخلاف في ذلك )) انتهى([3]).
وفي قرار مجلس المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي في الدورة الخامسة ما يلي:
((الرأي الأعدل هو أن اللغة العربية في أداء خطبة الجمعة والعيدين في غير البلاد الناطقة بها ليست شرطًا لصحتها، ولكن الأحسنَ أداء مقدمات الخطبة وما تضمنته من آيات قرآنية باللغة العربية، لتعويد غير العرب على سماع العربية والقرآن، مما يسهل تعلمها، وقراءة القرآن باللغة التي نزل بها، ثم يتابع الخطيب ما يعظهم به بلغتهم التي يفهمونها)). انتهى.
وفي قرار مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا حول الترجمة الفورية أثناء الخطبة:
لا حرج في الترجمة الفورية لخطبة الجمعة عند ظهور الحاجة إلى ذلك، وأولى من ذلك الترجمة في جلسة الاستراحة، تجنبا لما قد يعتري آلات الترجمة أثناء الخطبة من أعطال مفاجئة. والله تعالى أعلى وأعلم.
______________________________
([1]) جاء في «مراقي الفلاح» للشرنبلالي (ص210): «و”الرابع: الخطبة ولو بالفارسية من قادر على العربية».
([2]) جاء في «روضة الطالبين وعمدة المفتين» للنووي (2/26): «وهل يشترط كون الخطبة كلها بالعربية؟ وجهان. الصحيح: اشتراطه، فإن لم يكن فيهم من يحسن العربية، خطب بغيرها».