هل لبس العمامة من السنة؟ وهل تشرط للإمامة؟ أو على الأقل هل لها خصوصية في حق الأئمة؟ أفتونا مأجورين.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن الأصل في باب الثياب أنها من جملة العادات، فيشرع للرجل أن يلبس ما يلبسه قومُه ما لم يكن محرمًا، وقد جاءت الشريعة بستر العورة، وعورة الرجل ما بين السُّرَّة والركبة، والرأس ليست من العورة، فسترها ليس بواجبٍ لا في الصلاة ولا في غيرها، فهي ليست من واجبات الصلاة ولا من شروط صحتها.
وقد ثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس العمامة والقلنسوة، كما لبس الإزار والرداء والجبة والقميص (الثوب)، وكل هذه ألبسة كانت موجودة في قومه.
وقد اختلف أهلُ العلم في لبس العمامة خاصة: هل هو من جملة المباحات والعادات؟ أم أنه من سنن الهدي التي يشرع فيه الاقتداءُ بالرسول صلى الله عليه وسلم، والأظهر أن ذلك من باب العادات والمباحات، وأنها- كغيرها من الألبسة- تتبع عادات الناس، ولا يصلح الاستدلالُ على سنيتها بمجرد لُبس النبي صلى الله عليه وسلم لها، فقد لبس الإزارَ والرداء وليس بذلك بسنة عبادة بل هو سنة عادة.
ولكن يكمل هذا أننا مأمورون باتخاذ زينتنا عند كل مسجد، فإذا كانت العمامة من جُملة الزينة في عادة فريق من الناس كان التزامُها في الصلاة قربةً وطاعةً للتكليف الوارد في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]، وقد روي أن ابنَ عمر رأى مولاه نافعًا يصلي حاسرَ الرأس، فقال له: ((أرأيت لو أنك ذهبت إلى مقابلة أحد هؤلاء الأمراء أكنت تقابله وأنت حاسر الرأس؟ قال: لا. قال: فالله أحقُّ أن يتزين له))([1]). انتهى.
وإنما كان هذا لما استقرَّ يومئذ من أن تغطية الرأس من الزينة، ولكن هذا مما تختلف فيه الأعرافُ والثقافات، وتتغير فيه الفتوى بتغيرها.
وقد مثل الشاطبيُّ للعادات التي يتغير حُسنها وقبحها تبعًا لتغيُّر المجتمعات بكشف الرأس فقال رحمه الله: ((مثل كشف الرأس: فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع، فهو لذوي المروءات قبيحٌ في البلاد المشرقية، وغيرُ قبيح في البلاد المغربية، فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحًا في العدالة، وعند أهل المغرب غيرَ قادح))([2]).
وقد سُئل الشيخ ابن باز رحمه الله عن العمامة فقال: ((يجوز أن يصلي الإمام من دون عمامة، ليست شرطًا في الصلاة ولا سنة في الصلاة، لكن الأفضل أن يصلي الإنسان بالزينة المعتادة؛ لأن الله قال: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. أي عند كل صلاة، فإذا صلى في عادته المعتادة فهو أحسن وأولى؛ لأنه إذا تركَها قد يستنكر ذلك، قد يقدح في عقله أو في اتزانه أو في أخلاقه، فالحاصل أنه إذا كان من عادةِ أهل بلده أنهم يصلون في العمامة لا يدع العمامةَ، يصلي في العمامة حتى لا يُظَنُّ به السوء، وحتى لا يقدح فيه أنه متساهلٌ أو أنه لا يبالي بالزيِّ المناسب أو ما أشبهَ ذلك، وإلا فليست شرطًا.
وقد سُئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء عن لُبس العمامة فجاء في جوابهم: ((وأما لُبس العمامة فهو من المباحات وليس بسنةٍ كما توهمت، والأولى أن تبقى على ما يلبسه أهل بلدك على رءوسهم من الغُترة والشماغ ونحوه)).
وقد سُئل الشيخ محمد خليل هراس عمن يصلي عاريَ الرأس فقال: ((لا بأس أن يصلي الرجل عاريَ الرأس؛ فإن الرأس ليست من العورة التي أمرنا الله بسترها، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يلتزم تغطيةَ الرأس في الصلاة، بل كان كثيرًا ما يصلي عاري الرأس، وكان بعض الأئمة يستحب الصلاة عاري الرأس، ويرى أنه أبلغ في التعبد)).
وسُئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: لُبس العمامة هل هي سنة ثبتت عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟
فأجاب: ((لا، لباس العمامة ليس بسنة، لكنه عادة، والسنة لكل إنسان أن يلبس ما يلبسه الناس ما لم يكن محرمًا بذاته، وإنما قلنا هذا؛ لأنه لو لبس خلافَ ما يعتاده الناس لكان ذلك شهرةً، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لباس الشهرة، فإذا كنا في بلد يلبسون العمائم لبسنا العمائم، وإذا كنا في بلد لا يلبسونها لم نلبسها، وأظن أن بلادَ المسلمين اليوم تختلف، ففي بعض البلاد الأكثر فيها لبس العمائم، وفي بعض البلاد بالعكس، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس العمامةَ؛ لأنها معتادة في عهده، ولهذا لم يأمر بها، بل نهى عن لباس الشهرة، مفيدًا إلى أن السنة في اللباس أن يتبع الإنسان ما كان الناس يعتادونه، إلا أن يكون محرمًا، فلو فرضنا أن الناس صاروا يعتادون لباسَ الحرير وهم رجال قلنا: هذا حرام ولا نوافقهم، ولو كنا في بلد اعتاد الرجال أن يلبسوا اللباس النازل عن الكعبين قلنا: هذا حرام ولا نوافقهم))([3]). انتهى.
وقال أيضًا: ((لبس العمامة ليس من السنن لا المؤكدة ولا غير المؤكدة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبسها اتباعًا للعادة التي كان الناس عليها في ذلك الزمن، ولهذا لم يأت حرفٌ واحد من السنة يأمر بها، فهي من الأمور العادية التي إن اعتادها الناس فليلبسها الإنسان لئلَّا يخرج عن عادة الناس، فيكون لباسُه شهرةً، وإن لم يعتدها الناس فلا يلبسها، هذا هو القول الراجح في العمامة)) انتهى من «فتاوى نور على الدرب».
وأما ما يُروَى عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رَكْعَتَانِ بِعِمامَةٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِلا عِمامَةٍ»([4]). فهو ضعيف جدًّا لا تحل روايته إلا مع بيانِ ضعفه للحذر منه، بل حكم عليه أئمة أهل العلم بالوضع، فقد نقل صاحب «كشف الخفاء» عن الحافظ ابن حجر أنه موضوعٌ لا أصل له، وقال عنه الشيخ الألباني رحمه الله في «السلسلة الضعيفة»: أنه موضوع. وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: هذا خبرٌ لا أصل له، موضوع مكذوب عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا أصل لذلك. انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ((هذا الحديث حديثٌ باطل موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعمامة- كغيرها من الألبسة- تتبع عادات الناس، فإن كنت في أناس اعتادوا لُبسَ العمامة فالبسها، وإذا كنت في أناس لا يعتادون لُبس العمامة وإنما يلبسون الغُترة أو يبقون بلا شيء يستر رءوسهم فافعل كما يفعلون)). انتهى.
ولدار الإفتاء المصرية فتوى مفصلة دقيقة في هذا الصدد ختمتها بقولها (وبناء على ماسبق فإنَّ الشرع قد ترك بيان هيئة الثياب وطريقة إحاطتها بالجسد وتفاصيلها لكل جماعة بما يناسبهم، مراعين في ذلك أحوالهم وعاداتهم؛ وذلك لاعتبارها من الأمور الدنيوية تعرف بالضرورات والتجارب والعادات، ومراعاة زي الزمان مِن المروءة ما لم يكن إثمًا، وفي مُخالفة الزِّي ضَرْب مِن الشهرة، فلا ينبغي للمسلم أن يتميَّز عن غيره من أهل زمانه في اللباس والعادات الشكلية مما يدخله في الشهرة والانعزال؛ لذلك كان غطاء الرأس عادةً وليس عبادةً.) والله تعالى أعلى وأعلم.
______________________________
([1]) «جامع الأحاديث» (36/283).