ما حكم صلاة الجمعة قبلَ الزوال، أي قبل دخول وقت الظهر لحاجتنا إلى هذا التبكير نظرًا لتكرار الجمعة في المسجد الواحد؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فلا حرج في صلاة الجمعة قبلَ الزوال عند الحاجة إلى ذلك عملًا بمذهب الإمام أحمد رحمه الله([1]).
وقد أخذ بذلك مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا؛ فقد نص في قراراته في دورة اجتماع مؤتمره السادس بمونتريال بكندا على ما يلي:
إذا دعت الضرورةُ أو اقتضت الحاجةُ تقديمَ صلاة الجمعة أو خُطبتَها قبل الزوال جازَ ذلك عملًا بمذهب الإمام أحمد رحمه الله.
ومن أدلة الحنابلة على ذلك:
ما رواه مسلم عَنْ أبي جعفر الباقر: أنه سأل جابرَ بن عبد الله رضي الله عنهما: متى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى الجمعة؟ قال: كان يصلي ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها، حين تزول الشمس([2]). وهذا يدلُّ على أنه صلاها قبل الزوال.
وما رواه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: ما كنا نُقيل ولا نتغَدَّى إلا بعد الجمعة، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم([3]).
قال الشوكانيُّ رحمه الله: ((فيه دليلٌ لمن قال بجوازِ صلاة الجمعة قبلَ الزوال، وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل. ذلك أن الغداء والقيلولة محلَّهما قبل الزوال. وحكوا عن ابن قتيبة أنه قال: لا يسمى غداءً ولا قائلةً بعد الزوال))([4]).
(وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء ببلاد الحرمين ( هل تجوز صلاة الجمعة قبل الزوال بساعة -لضرورة دخول العمل في فرنسا- مع العلم أننا إذا لم نصلها قبل الدخول إلى العمل وذلك قبل الزوال بساعة لم نصل الجمعة، فهل للضرورة إباحة؟) أفيدونا جزاكم الله خيراً.
فأجابت (: في تحديد أول وقت صلاة الجمعة خلاف بين العلماء، فذهب أكثر الفقهاء إلى أن أول وقتها هو أول وقت الظهر وهو زوال الشمس، فلا تجوز صلاتها قبل الزوال بكثير ولا قليل، ولا تجزئ؛ لقول سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: (كنا نجمع مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتبع الفيء) رواه البخاري ومسلم، ولقول أنس رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة حين تميل الشمس) رواه البخاري. وقال جماعة: لا يجوز قبل السادسة أو الخامسة، وذهب الإمام أحمد بن حنبل وجماعة إلى أن أول وقتها هو أول وقت صلاة العيد، أما الزوال فهو أول وقت وجوب السعي إليها، واستدلوا لجواز صلاتها قبل الزوال بقول جابر رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي – يعني الجمعة- ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس) رواه مسلم. ولقول سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: (كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان فيء) رواه أبو داود.
ويجمع بين الأحاديث: بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصليها بعد الزوال أكثر الأحيان، ويصليها قبل الزوال قريباً منه أحيانا.
وعلى هذا فالأولى أن تصلى بعد الزوال رعاية للأكثر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وخروجاً من الخلاف، وهذا مما يدل على أن المسألة اجتهادية، وأن فيها سعة، فمن صلى قبل الزوال قريباً منه فصلاته صحيحة إن شاء الله، ولا سيما مع العذر، كالعذر الذي ذكره السائل .)
وقد سُئل الشيخ ابن باز رحمه الله: هل تجوز صلاة الجمعة قبل زوال الشمس؟ فأجاب: ((تجوز صلاة الجمعة قبل زوال الشمس، ولكن الأفضل بعد الزوال خروجًا من خلاف العلماء؛ لأن أكثر العلماء يقولون: لابد أن تكون صلاةُ الجمعة بعد الزوال، وهذا هو قول الأكثرين. وذهب قومٌ من أهل العلم إلى جوازِها قبلَ الزوال في الساعة السادسة، وفيه أحاديثُ وآثار تدلُّ على ذلك صحيحة، فإذا صلَّى قبلَ الزوال بقليل فصلاتُه صحيحةٌ، ولكن ينبغي ألا تُفعل إلا بعد الزوال؛ عملًا بالأحاديث كلها وخروجًا من خلاف العلماء، وتيسيرًا على الناس حتى يحضروا جميعًا، وحتى تكون الصلاةُ في وقت واحدٍ. هذا هو الأولى والأحوط)). انتهى. والله تعالى أعلى وأعلم.
_________________________
([1]) جاء في «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» للمرداوي (2/364): «وهي صلاة مستقلة. على الصحيح من المذهب، لعدم انعقادها بنية الظهر ممن لا تجب عليه، ولجوازها قبل الزوال».
([2]) أخرجه مسلم في كتاب «الجمعة» باب «صلاة الجمعة حين تزول الشمس» حديث (1915).
([3]) متفق عليه أخرجه البخاري حديث (939)، ومسلم في كتاب «الجمعة» باب «صلاة الجمعة حين تزول الشمس» حديث (859).