الجمع بين المغرب والعشاء جمعَ تقديم ثم صلاة التروايح لقصر الليل

ما مدى مشروعية الجمع بين المغرب والعشاء جمعَ تقديم في البلاد التي يقصر فيها الليل، ولكن لا يزال يتمايز عن النهار، إذا كان يشقُّ على المصلين انتظارُ صلاة العشاء ثم صلاة التراويح بعدها؟

وهل يجوز صلاة التراويح قبل صلاة العشاء تخفيفًا على المسلمين؟

وما حكم النفل المطلق قبل العشاء بصفة عامة؟ أفتونا مأجورين.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

فالأصل أن تؤدَّى الصلوات في مواقيتها الشرعية، فإن دخول الوقت سببٌ لوجوب الصلاة وشرط في صحتها، لقوله تعالى: â ¨bÎ) no4qn=¢Á9$# ôMtR%x. ’n?t㠚úüÏZÏB÷sßJø9$# $Y7»tFÏ. $Y?qè%öq¨B ÇÊÉÌÈ á [النساء: 103].

والأصلُ في صلاة التراويح أن تكون بعد صلاة العشاء، فهذه سنة المسلمين العملية، وقول جماهير علمائهم على مدار القرون، قال النووي في «المجموع»: ((يدخل وقت التراويح بالفراغ من صلاة العشاء، ذكره البغويُّ وغيره، ويبقى إلى طلوع الفجر))([1]). انتهى.

وقال المرداوي في «الإنصاف»: ((وأول وقتها- يعني التراويح- بعد صلاة العشاء، وسنتها على الصحيح من المذهب، وعليه الجمهور، وعليه العمل))([2]). انتهى.

وقال الكاساني في «بدائع الصنائع»: ((وأما وقتها، فقد اختلف مشايخنا فيه؛ قال بعضهم: وقتها ما بين العشاء والوتر، فلا تجوز قبلَ العشاء، ولا بعد الوتر، وقال عامتهم: وقتها ما بعد العشاء إلى طلوع الفجر، فلا تجوز قبل العشاء؛ لأنها تبع للعشاء فلا تجوز قبلها كسنة العشاء))([3]). انتهى.

وعليه، فصلاة التراويح المعروفة لا تصحُّ قبل صلاة العشاء عند جمهور أهل العلم.

وصلاة النافلة المطلقة قبل العشاء صلاةٌ مشروعة، ولكنها ليست هي قيام رمضان الذي عرفه المسلمون وتتابعت عليه أجيالهم، فقد وردت جملة من الأدلة التي ترغب في الصلاة بين المغرب والعشاء، منها:

  • حديث حذيفة قال: سألتني أمي منذ متى عهدك بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: فقلت لها: منذ كذا وكذا. قال: فنالت مني وسبتني. قال: فقلت لها: دعيني فإني آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأصلي معه المغرب ثم لا أدعه حتى يستغفر لي ولك. قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فصليت معه المغرب، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العشاء، ثم انفتل فتبعته، فعرض له عارض فناجاه، ثم ذهب فاتبعته، فسمع صوتي فقال: «مَنْ هَذَا؟» فقلت: حذيفة. قال: «مَا لَكَ؟» فحدثته بالأمر فقال: «غَفَرَ اللهُ لَكَ وَلِأُمِّكَ». ثم قال: «أَمَا رَأَيْتَ الْعَارِضَ الَّذِي عَرَضَ لِي قُبَيْلُ؟» قال: قلت: بلى. قال: «فَهُوَ مَلَكٌ مِنْ الْـمَلَائِكَةِ لَمْ يَهْبِطِ الْأَرْضَ قَبْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، فَاسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيَّ وَيُبَشِّرَنِي أَنَّ الْـحَسَنَ وَالْـحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْـجَنَّةِ، وَأَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْـجَنَّةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ»([4]).
  • عمل الصحابة والتابعين، وحرصهم على التنفُّل في هذا الوقت، حتى عقد ابن أبي شيبة رحمه الله في «المصنف» بابًا بعنوان: «في الصلاة بين المغرب والعشاء»، روى فيه عن عبد الرحمن بن الأسود، عن عمه، قال: ساعة ما أتيت عبد الله بن مسعود فيها إلا وجدته يصلي ما بين المغرب والعشاء، وكان يقول: هي ساعة غفلة([5]). وروي عن عبد الله بن عمر، قال: صلاة الأوابين، ما بين أن يلتفت أهل المغرب، إلى أن يُثَوَّب إلى العشاء([6]).
  • أن هذا الوقت ليس من أوقات النهي عن الصلاة، فالأصلُ جواز الصلاة فيه، ولا حرج. وأن الليل يبدأ بغروب الشمس، فكل تطوع بعده ينال فضل قيام الليل. وقد روى ابن أبي شيبة في «المصنف»، عن أنس رضي الله عنه أنه كان يصلي ما بين المغرب والعشاء، ويقول: هي ناشئة الليل([7]). وفي «منار السبيل في شرح الدليل»: ((إحياء ما بين العشاءين من قيام الليل. قال الإمام أحمد: قيام الليل من المغرب إلى طلوع الفجر، وعن قتادة عن أنس في قوله تعالى: â (#qçR%x. Wx‹Î=s% z`ÏiB È@ø‹©9$# $tB tbqãèyföku‰ ÇÊÐÈ á [الذاريات: 17] قال: كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء))([8]).
  • اتفاق المذاهب المتبوعة على استحباب الصلاة في هذا الوقت، وأنه من أوقات التنفل المعهودة لدى الصالحين. قال الشوكاني رحمه الله في «نيل الأوطار»: ((والآيات والأحاديث المذكورة في الباب تدلُّ على مشروعية الاستكثار من الصلاة ما بين المغرب والعشاء، والأحاديث وإن كان أكثرها ضعيفًا فهي متفقة بمجموعها لاسيما في فضائل الأعمال))([9]).
  • أن صلاة التراويح ليست من الفرائض، فيمكن الترخص في تركها بالكلية لمن عجز عنها، وله أن يؤدِّيَها في بيته كليًّا أو جزئيًّا وفق ما تتيحه له ظروفه، ويجوز التجوز فيها، فلا يلزم أن يختم فيها القرآن، وأن تستغرق وقتًا طويلًا يعجز أو يعنت أصحاب الحاجات والأعذار.
  • أن الجمع بين المغرب والعشاء مشروعٌ عند الحرج على أن لا يُتَّخذ عادةً، وإذا صلى العشاء جمع تقديم مع المغرب جاز أن يصلي بعدها صلاة التروايح، فإن وقتها بعد صلاة العشاء، ففي حديث ابن عباس قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر. قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يحرج أمته([10]). قال النوويُّ رحمه الله بعد أن ذكر عدة تأويلات لهذا الحديث ثم فنَّدها جميعًا: ((وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة، وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي عن أبي إسحاق المروزي عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر قول ابن عباس: أراد ألا يحرج أمته، فلم يعلله بمرض ولا غيره والله أعلم))([11]).
  • أن اشتراط الموالاة بين الصلاتين عند الجمع موضعُ نظر بين أهل العلم: فجمهورهم على اشتراطها، وأنه إذا طال الفصل بطل الجمع؛ لأن الجمعَ يجعلهما كصلاةٍ واحدة، فوجب الولاءُ كركعات الصلاة، أي فلا يفرق بينهما، كمَا لا يجوز أن يُفرق بين الركعات في صلاة واحدةٍ، فإن فصل بينهما بفصلٍ طويل ولو بعُذر كسهو أو إغماءٍ بطل الجمعُ ووجب تأخيرُ الصلاة الثانية إلى وقتها؛ لفوات الجمع، وإن فصل بينهما بفصل يسيرٍ لم يضر كالفصل بينهما بالأذان والإقامة والطهارة.

ولكن ذهب بعضُ الشافعية إلى عدم اشتراط الموالاة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد قال في «مجموع فتاويه»: ((والصحيح أنه لا تُشترط الموالاة بحالٍ، لا في وقت الأُولى ولا في وقت الثانية، فإنه ليس لذلك حدٌّ في الشرع، ولأن مراعاة ذلك يُسقط مقصودَ الرخصة))([12]).

وقال في موضع آخر: ((وكذلك جوازُ الجمع لا يُشترط له الموالاة في أصح القولين))([13]).

وبناء على ذلك فإذا نوى الجمعَ ثم فصل بين الصلاتين بتناولِ طعامٍ أو نحوه، ففي النظر متسع لذلك، ولكن ينبغي أن لا تُستخدم هذه الرخصة بجفاءٍ؛ فإن من تعظيم أمرِ الله عز وجل أن لا نُقابله لا بتشددٍ غالٍّ ولا بترخصٍ جافٍّ.

فإذا وجدت الحرجَ فعلًا كأن لا يفصل بين العشاء والفجر إلا وقتُ قصير كساعتين أو ثلاث- فلا حرج في الترخُّص بالجمع، وإن لم يوجد حرجٌ كما في أيام الإجازات الأسبوعية أو الموسمية فلا ينبغي الترخص.

ولكن يبقى السؤال حول مدى مشروعية نقل صلاة التراويح إلى ما قبل صلاة العشاء؟

والظاهر أن هذا وإن كان من جنس قيامِ الليل في الجملة إلا أنه يكون نفلًا مطلقًا، ولا تكون هي صلاة التراويح التي عهدها المسلمون، ولمن شاء أن يستعيض بها عن التراويح إن شقَّ عليه الإتيانُ بالتراويح في ميقاتها بعد العشاء، على أن تكون عملًا فرديًّا على مستوى أصحاب الحاجات، وليس عملًا جماعيًّا على مستوى جماعة المسلمين.

والخلاصة أنَّ في الجمع بين المغرب والعشاء عند المشقَّة والحرج رخصةً، على أن لا يُتخذ عادة، وأن لا تستخدم هذه الرخصة بجفاءٍ، بل حتى يتحقق الحرج فعلًا، ويرجع في ذلك إلى أهل الديانة والصيانة في جماعة المسلمين، فإن وجد الجمع جاز صلاة التراويح بعده بلا نزاع.

ويمكن على المستوى الفردي إن لم تجتمع الكلمةُ على الجمع الاستعاضة بالنفل المطلق بين العشاءين عن صلاة التراويح، لمن شق عليه شهود صلاة التراويح مع الجماعة.

هذا وقد أجاز المجلس الأوربي للإفتاء لمن وقعوا في حرج هذا المسلكَ، ولكنه خيرهم بينه وبين صلاة التراويح قبل العشاء، وهو الذي قلنا إنه نفل مطلقٌ وليس هو صلاة التراويح التي عهدها المسلمون.

فقد جاء في فتاوى المجلس ما يلي:

((ونظرًا للمشقة الحاصلة المذكورة في السؤال، بسبب تأخير صلاة التراويح بعد صلاة العشاء، ورفعًا للحرج، وبناء على ما سبق من أقوال الفقهاء، فيجوز لمن يتأخر عندهم وقت صلاة العشاء أن يختاروا بين الآتي:

أولًا: أن يفطروا في بيوتهم ثم يجتمعوا بعد نصفِ ساعة أو أي فترة يتفقون عليها، فيصلون المغرب والعشاء ثم يصلون التراويح.

ثانيًا: أن يصلوا المغربَ ثم يُفطروا في بيوتهم، ثم يجتمعوا بعد نصف ساعة أو أي فترةٍ يتفقون عليها، فيصلون التراويحَ أولًا، ثم العشاء في وقتها.

ثالثًا: أن يفطروا في المسجد إفطارًا خفيفًا، ثم يصلوا المغرب، ثم التراويح، ثم صلاة العشاء في وقتها.

وكل هذه الحالات جائزة، وللمراكز اختيار أحدها بحسب الظروف المناسبة لهم)). والله تعالى أعلى وأعلم.

 

_______________________________

([1]) «المجموع» (3/522-525).

([2]) «الإنصاف» (2/180-182).

([3]) «بدائع الصنائع» (1/288).

([4]) أخرجه أحمد في «مسنده» (5/391) حديث (23377)، والترمذي في كتاب «الذبائح» باب «المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم» حديث (3781) وقال: «حديث حسن».

([5]) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (14/2) حديث (5921).

([6]) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (14/2) حديث (5922).

([7])أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (15/2) حديث (5926).

([8]) «منار السبيل في شرح الدليل» (1/ 113).

([9]) «نيل الأوطار» (3/66-68).

([10]) أخرجه مسلم في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» باب «الجمع بين الصلاتين في الحضر» حديث (705).

([11]) «شرح النووي على صحيح مسلم» (5/219).

([12]) «مجموع الفتاوى» (24/54).

([13]) «مجموع الفتاوى» (25/231).

تاريخ النشر : 05 نوفمبر, 2026
التصنيفات الموضوعية:   02 الصلاة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend