بين منعِ النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة بعد العصر وصلاته بعدها

كيف توفق بين النهي عن الصلاة بعد العصر وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد العصر، ثم مداومته على ذلك حتى مات صلى الله عليه وسلم؟ وهل صحَّ فعلًا أنه فعل ذلك؟ أفتونا مأجورين.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

فإن النهيَ عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس أمرٌ ثابتٌ صحيحٌ، رواه البخاري ومسلم، من عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ– وفي رواية: حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ- وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ»([1]).

فهذه أحاديث صحيحة ثابتة, وهذه الأوقات تُسمَّى أوقات النهي، ليس للمسلم أن يصليَ فيها تطوعًا، إلا ذوات الأسباب كركعتي تحيَّةِ المسجد والطواف وصلاة الكسوف وصلاة الجنازة، وكذلك قضاء الفائتة- لحديث: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا»([2]).

وما ورد من أن النبي صلى الله عليه وسلك كان يصلي ركعتين بعد العصر في بيته، ويداوم على ذلك: صحيحٌ ثابتٌ كذلك بأعلى الأسانيد؛ فروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: مَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ عِنْدِي قَطُّ([3]). وفي رواية لهما: صَلَاتَانِ مَا تَرَكَهُمَا رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي قَطُّ، سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ([4]).

أما مبدأ هاتين الركعتين فهو أنه كان قد أتاه ناسٌ من عبد القيس فَشَغَلُوه عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فصلاهما بعد العصر ثم أثبتهما. فقد روى مسلم عن أبي سلمة، أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما بعد العصر، فقالت: كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْعَصْرِ، ثُمَّ إِنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا، أَوْ نَسِيَهُمَا، فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا([5]).

والجمعُ بين فعله هذا ونهيه عن الصلاة بعد العصر: أن هذا كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم؛ فقد فاتته الركعتان بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى صلاة أثبتها.

ومن الأدلة على ذلك، رواية ذكوان مولى عائشة: أنها حدثته؛ أنه صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْر وَيَنْهَى عَنْهَا، وَيُوَاصِل وَيَنْهَى عَنْ الْوِصَال([6]).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

((تمسَّك بهذه الروايات من أجاز التنفُّلَ بعد العصر مطلقًا، ما لم يقصد الصلاة عند غروب الشمس، وقد تقدم نقلُ المذاهب في ذلك، وأجاب عنه من أطلق الكراهة بأن فعله هذا يدلُّ على جواز استدراك ما فات من الرواتب من غير كراهةٍ، وأما مواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك فهو من خصائصه، والدليل عليه رواية ذكوان مولى عائشة: أنها حدثته أنه صلى الله عليه وسلم كان يُصلي بعد العصر وينهى عنها ويواصل وينهى عن الوصال. رواه أبو داود. ورواية أبي سلمة عن عائشة في نحو هذه القصة؛ وفي آخره: وكان إذا صلى صلاةً أثبتها. رواه مسلم. قال البيهقي: الذي اختص به صلى الله عليه وسلم المداومةُ على ذلك؛ لا أصل القضاء))([7]). انتهى.

وقد سُئل علماء اللجنة الدائمة ببلاد الحرمين عن هذه الأحاديث، فأجابوا:

((لا تجوز صلاةُ النافلة بعد العصر؛ لأنه وقتُ نهي، وما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المذكورة هو قضاءٌ لراتبةِ الظهر التي فاتته، وداوم عليها صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان إذا عمل عملًا داوَمَ عليه، وهذا خاصٌّ به صلى الله عليه وسلم، لكن تجوز الصلاةُ بعد العصر إذا كانت من ذوات الأسباب؛ كتحية المسجد، وصلاة الكسوف، وركعتي الطواف بعد العصر وبعد الصبح، وصلاة الجنازة؛ للأحاديث الواردة في ذلك))([8]) انتهى.

وعلى ذلك: فإنه يشرع لكل أحدٍ قضاءُ راتبة الظهر ونحوها بعد العصر، إذا فاتت لعذرٍ. وأما الاستدامة على صلاة الركعتين في هذا الوقت: فهي من خصائصه، صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

_______________________________

([1]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «مواقيت الصلاة» باب «لا تتحرى الصلاة قبل غروب الشمس» حديث (586)، ومسلم في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» باب «الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها» حديث (827)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

([2]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «مواقيت الصلاة» باب «من نسي صلاة فليصل إذا ذكر ولا يعيد إلا» حديث (597)، ومسلم في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب «قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها» حديث (684)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه@@@.

([3]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «مواقيت الصلاة» باب «ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها» حديث (591)، ومسلم في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» باب «معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي صلى الله عليه وسلم» حديث (835).

([4]) أخرجه مسلم في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» باب «معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي صلى الله عليه وسلم» (835).

([5]) أخرجه مسلم في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» باب «معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي صلى الله عليه وسلم» (835).

([6]) أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» باب «من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة» حديث (1280).

([7]) «فتح الباري» (2/64).

([8]) «فتاوى اللجنة الدائمة» (6/ 173- 174).

تاريخ النشر : 05 نوفمبر, 2026
التصنيفات الموضوعية:   02 الصلاة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend