أنا إمام مسجد في مدينة بوكاراتون. أسأل الله أن يحفظكم ويبارك في علمكم. وصلني سؤال من أحد الإخوة وقمت بالرد عليه وأنا الآن أحول إليكم نصَّ السؤال والجواب. ونرجو أن تعقبوا على جوابنا أو تصححوه. وبارك الله فيكم.
أنا مقيم في أمريكا وعندي تجارة بيع السيارات، أشتريها من أمريكا وأصدرها للسعودية لبعض التجار وأصحاب المعارض، يبيعونها لي باتفاق، وعند البيع يتم تحويل الفلوس لأمريكا لأقوم بالشراء مرة أخرى وتصدير سيارات لهم.. وهكذا.
وكانت التجارة موفقة بفضل الله، استثمر معي كثيرون من الأهل والأصدقاء، وكان الاتفاق في الربح والخسارة، صاحب المال له الثلثين وأنا لي الثلث.
وبعد مرور بعض السنين بدأت هذه التجارة تخسر، فقررت إرجاع المال لأصحابه، وذلك بعدم تكملة المشوار، وكان وقتها لي أنا والمستثمرين معي تقريبًا 65 سيارة، وكل سيارة معروفة في أوراقي من صاحبها، فعندما تباع سيارة من سياراتي الشخصية كنت أبقي المال عند صاحب المعرض وعندما تباع سيارة مالكها أو مالكتها أحد الذين استثمروا أموالهم معي, أطلب تحويل المبلغ لأمريكا ثم أقوم بالتسديد حسب الاتفاق, والحمد لله قمت بإرجاع جميع الفلوس للمستثمرين باستثناء سيارة قيمتها تقريبا $25 ألف دولار، لم يأت نصيبها في البيع إلا متأخرًا جدًّا، وعند بيعها بعد مرور أكثر من سنة ونصف عليها, حينها كنت على وشك الابتداء بفتح معرض سيارات في أمريكا, فطلبت من صاحب المعرض أن يبعث لي ثمن السيارة الأخيرة وأيضًا يبعث لي فلوسي.
طبعًا كان هذا الشخص ثقة وأمينًا, لكن وقع ما لم يكن بالحسبان, الشخص أصبح لا يرد على التليفون، ويعتذر بسبب تأخره في التحويل, إلى أن اعترف أنه تصرَّف في المال دون علمي, وأنه يتوقع أن يبيع الفيلا التي يملكها، لكن الأسعار هبطت كثيرًا ولم يستطع البيع, وبالتالي لم يرسل لي المبلغ.
والآن صاحب السيارة الأخيرة يطالبني بالدولارات, فشرحت له الوضع, فقال: «أنا ما خصني إذا صاحب المعرض نصب عليك, ما دام سيارتي تم بيعها في السعودية وصاحب المعرض استلمها, ليس لي دخل إذا حولها لك على أمريكا أو أكلها عليك». فقلت له: «مالك يرجع لك فقط إذا وصلني واستلمته, وإذا لم يصلني فليس لك شيء». أفتونا بارك الله فيكم. ماهو رأي الشرع في هذه المسألة؟ علمًا أنني تصرفت بمال المستثمرين بنفس طريقة تصرفي بمالي الخاص.
علما أن المبلغ الذي لم يحوله صاحب المعرض لي مبلغ كبير، 90% منه لي شخصيًّا، أي أن خسارتي أنا هي تقريبًا 12 ضعف خسارة صاحب آخر سيارة.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فهذا العقد يجمع بين طرفين، طرف يملك المال والآخر يملك الخبرة والقدرة على مباشرة العمل، وهو عقد المضاربة، ومن المعالم الفقهية لهذا العقد أنَّ العامل لا يضمن رأسَ المال إلا بالتفريطِ أو التعدِّي، والتفريط هو تركُ ما ينبغي فعلُه، والتعدِّي هو فعلُ ما لا ينبغي فعلُه، فإذا كنت قد بذلت في رعاية هذا المال ما تبذله في رعاية أموالك الخاصة، ولم يكن منك تفريطٌ ولا تعدٍّ، فالخسارة تقعُ على عاتق ربِّ المال، ولا يضمن منها العامل شيئًا، ويكفي أن العامل يخسر جهده. جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورته الثالثة عشرة بدولة الكويت ما يلي (المضارب أمين ولا يضمن ما يقع من خسارة أو تلف إلا بالتعدي أو التقصير بما يشمل مخالفة الشروط الشـرعية أو قيود الاسـتثمار المحددة التي تم الدخول على أسـاسها. ويستوي في هذا الحكم المضاربة الفردية والمشتركة. ولا يتغير بدعوى قياسها على الإجارة المشتركة، أو بالاشتراط والالتزام. ولا مانع من ضمان الطرف الثالث طبقاً لما ورد في قرار المجمع رقم 30 (5/4) فقرة 9.)
فأرى أن يعرض هذا الأمر على بعض أهل الخبرة في باب الشركات والتجارة، وتعرض عليهم الوقائع، فإن قرروا أنك بذلت ما في وسعك، ولم يكن منك تفريطٌ ولا تعدٍّ، فالخسارة على رب المال، ولا يلزم العامل منه شيء، وفتواك صحيحة. والله تعالى أعلى وأعلم.