جاءتني مسألة التوظيف مع الحكومة في جهة: FDIC، الشركة الحكومية لتأمين الإيداعات. وشغلهم في الجملة تأمين إيداعات الشعب الأمريكي، والفرق بينها وبين شركات التأمين العادية من جهتين:
١) أن رسوم الشركة لا تأتي ممن سيستفيد من التأمين؛ بل تأتي من البنوك، ودفع الرسوم من البنوك يكون شبه قانوني؛ بحيث إن مصرفًا لو لم يدفع هذه الرسوم لن يقبل أحد عليه. واليوم لا تكاد تجد بنكًا واحدًا بدون هذا التأمين.
٢) أن الأصل في البنوك هو الوكالة لمن يخزن نقوده عندها، وفي عام ١٩٢٠ من قبل إنشاء هذه الجهة FDIC كانت البنوك تشتري بأموال الناس الأسهم والأوراق المالية…إلخ. حتى أفلست كثيرٌ منها في 1933م، وضاعت أكثر من ٩.٨ مليار من أموال الشعب.
ولهذا أُنشئت هذه الجهة سنة 1934 وقايةً لأموال الشعب.
فلو نظرنا واعتبرنا هذا المقصد والتاريخ فهذه الشركة (FDIC) جاءت لإقامة أصل البنوك وهو وكالة الأموال.
فالسؤال الذي جاءني هو: هل يجوز الاشتغال مع FDIC؟
علمًا بأن السائل لم يعطني المعلومات المذكورة؛ بل هي من بحثي لكي يكون السؤال عن مسألة مصوَّرة.
نرجو من فضيلتكم البيان والإيضاح، بارك الله فيكم وأحسن الله إليكم.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن الفتوى معرفة الواجب في الواقع، فهي تتوقف على نوعين من العلم: العلم بالشرع، والدراية بالواقع. والمفتي أسير المستفتي كما يقولون، وتحرير القول في الواقعة المسئول عنها من مسئولية المستفتي ابتداءً، فكان عليه أن يزودك بالمعلومات اللازمة لحسن تصور المسألة حتى يتمكن المفتي من نظرها وبيان الحكم الشرع فيها.
البنك تاجر نقود، وليس مجرد خزينة لإيداع الأموال، فهو يأخذ النقود بفائدة، ويُقرضها بفائدة أعلى، ويأخذ الفرق بين الفائدة الدائنة والفائدة المدينة.
ولهذا فإن التكييف الصحيح لعلاقته بمن يودع أمواله عنده ومن يأخذ الأموال منه، هي عقد القرض وليس الإيداع، فإن الإيداع توكيلٌ في حفظ المال، على أن تُرَدَّ عينه، وهذا لا يحصل في عالم البنوك، فهي لا تحتفظ بأموال المودعين عندها في خزائن لتردها إليهم عند الاقتضاء، بل هي تتملك ما يودع عندها من أموال، وتعقد به القروض الربوية كيفما شاءت، وترد بدلها عند الاقتضاء، وهذه هي حقيقة القرض، فهو تمليك للمال على أن ترد بدله، فالودائع المأذون في استخدامها قروض في نظر الفقه الإسلامي.
فالبنك مؤسسةٌ ربوية لا يجوز التوظُّف في أقسام الائتمان بها إلا تحت وطأة الاضطرار، أما بقية الخدمات المصرفية فالأمر فيها أوسع، وقد صدر قرار مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا حول العمل في البنوك، في دورة انعقاد مؤتمره الخامس حول: ما يحل ويحرم من المهن والأعمال والوظائف، وهذا نصه:
((القرار السابع: العمل في المصارف الربوية:
الأصل في العمل في المصارف الربوية أنه غيرُ مشروع؛ للعن النبي صلى الله عليه وسلم آكلَ الربا وموكله وكاتبه وشاهديه, وقوله: «وَهُمْ سَوَاءٌ»([1]). مع اعتبار الضرورات، على أن تقدر بقدرها ويُسعى في إزالتها.
وقد رخصت المجامعُ الفقهية لمن لم يجد عملا مباحًا، أن يعمل في الأماكن التي يختلط فيها الحلال والحرام, بشرط ألا يباشر بنفسه فعلَ المحرم, وأن يبذل جهده في البحث عن عمل آخر خال من الشبهات.
والمجمع لا يرى ما يمنع من تطبيق هذا الحكم على العمل في المصارف الربوية، فيرخص في العمل في المجالات التي لا تتعلق بمباشرة الربا كتابة أو إشهادًا أو إعانة مباشرة أو مقصودة على شيء من ذلك)).
أما العمل في مجال التأمين التجاري الذي يُقصد به الاسترباح وليس عملًا تطوعيًّا يقوم على بذل الخدمة وكفالة المواطنين، فإن الأصلَ فيه الحرمةُ، لما يتضمنه من الغرر الفاحش، وقد صدر قرار مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا حولَ العمل في مجال التأمين في المؤتمر السابق الإشارة إليه، ونص قراره في هذا الشأن ما يلي:
القرار الرابع: العمل في شركات التأمين:
((التأمين من النوازل التي تحدَّث فيها أهل الفتوى من المعاصرين، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى دُور الإفتاء والمجامع الفقهية، وهو أنواعٌ شتَّى: منها ما يحل ومنها ما يحرم، ومنها ما هو في محل الاجتهاد.
- الأصل في التأمين أنه نظام يقوم على الإرفاق والتكافل والمواساة، وهو بهذا المعنى وفي هذا الإطار من القيم الإسلامية الأصيلة إذا تقيد في نظامه وعقوده واستثمار أمواله بأحكام الشريعة، ولا يبعد القول أن القيام به في هذا الإطار وفي ظل ما طرأ من مُستجِدات قد صار من جملة فروض الكفايات.
- تتنوع نظم وعقود التأمين في واقعنا المعاصر إلى عقود تأمين تجارية وأخرى اجتماعية أو تكافلية، ولكل حكمه.
- الأصل في عقود التأمين التجاري الذي تنظمه قوانين التأمين التجاري وتمارسه شركاته بحيث تكون الشركة طرفًا أصيلًا فيه، يلتزم بدفع مبلغ التأمين في حالة وقوع الخطر المؤمن منه، في مقابل قيام المستأمن بدفع أقساط محددة طوال فترة التأمين، أنها من العقود الفاسدة؛ بسبب ما شابها من الغرر والجهالة وغير ذلك من أسباب الفساد، وأنه لا يباح منها إلا ما تُلزم به القوانين أو تلجئ إليه الحاجات العامة التي تنزل منزلة الضرورات.
- أما التأمين الاجتماعي الذي لا يقصد به الربح، بل الرعاية الاجتماعية أو الصحية للمستفيدين منه، وتتولاه عادة الدول والشركات والمؤسسات العامة، وذلك باستقطاع حصة من راتب الموظف مع حصة من المؤمن أو بدونها، طوال مدة عمله، فهو مشروع؛ ولهذا يجوز الانتفاع به والعمل في المؤسسات التي تقوم عليه تأسيسًا أو تسويقًا؛ لقيامه في الجملة على فكرة مشروعة، مع تجنُّب ما يغشى تطبيقه من أعمال غير مشروعة كالاستثمارات الربوية ونحوها.
- أما التأمين الإسلامي ويشبهه في بعض خصائصه التأمين التكافلي أو التعاوني، ويقوم على التبرع والتعاون وبذل المنافع، ويكون دور الشركة فيه هو دور الوكيل في إدارة عمليات التأمين والمضارب في استثمار أمواله، فهو من العقود المشروعة، فيجوز الانتفاع به والعمل في مؤسساته، إذا التزمت بقية الضوابط الشرعية في استثمار أموال التأمين)).
فإن كان هذا التأمين لا يقوم على الاسترباح، وإنما غايته حفظ أموال المودعين دونما تقصد الربح، فيكون أشبه بالتأمين الاجتماعي الذي تبذله الدول لكفالة مصالح مواطنيها، فيكون في الأمر سعة من هذه الناحية، وكونه يعمل في الحساب الأولي- كما جاء مؤخرًا- يعطي قدرًا آخر من السعة النسبية، باعتبار أن عمله لا يصبُّ مباشرةً في عمليات عقود التأمين.
ولكن يبقى في النهاية أنه مشروع لإقامة المؤسسات الربوية، وإنهاضها للقيام بوظيفتها الربوية، والتعاون فيه على الإثم والعدوان ظاهرٌ جليٌّ، فهو عمل مُظلم من جوانب كثيرة، فيكون الأصل فيه المنع، ويرخص فيه لمن لم يجد عملًا أن يعمل فيه إلى أن يصيب سدادًا من عيش، على أن يكون عمله فيه مؤقتًا، أو لمن تمس حاجته إلى اكتساب الخبرة التي لا سبيل إلى اكتسابها إلا في هذا المكان إلى أن يُحصِّل هذه الخبرة، وفي جميع الأحوال يكون عمله مؤقتًا إلى أن يتيسر له بديل مشروع، أو يتحصل مقصوده من الخبرة، ويعزم على التحوُّل إليه عند أول القدرة عليه. والله تعالى أعلى وأعلم.
_____________________________________
([1]) أخرجه مسلم في كتاب «المساقاة» باب «لعن آكل الربا ومؤكله» حديث (1598) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.