الخروج على الحاكم

هناك بعض المشايخ والعلماء يقولون: إنه لا يجوز الخروج على الحاكم مطلقًا حتى ولو كان كافرًا، وحتى ولو بالكلمة. وينسبون بعض ذلك للإمام الجويني، كما أنهم يقولون: لو كانت هناك نصيحة فالواجب أن تكون سرًّا. فما رأي فضيلتكم؟ مع التفصيل في هذه المسألة؟
ما هو حد الفسق الذي إن وصل إليه الحاكم جاز- كحكم شرعي وليس فتوى- الخروج عليه، يعني نتدين بالخروج، يعني نخرج إن استطعنا ونأخذ بأسباب ذلك إن لم نستطع؟ وما لم يصل إلى ذلك الحد من الفسق لا نتدين بالخروج عليه، حتى وإن كان بالطرق السلمية دون إراقة قطرة دم؟ فهل الأمر يختلف إن كان فسقه في نفسه- وما ضابطه- أو تعدَّى للحكم؟ وهل يختلف إن كان الخروج بالسيف أو بغيره؟ وكيف نجمع بين الأدلة؟
هل هذا حديثٌ: «حاكمٌ ظالمٌ خيرٌ مِن فوضى عارمة»؟ وهل خروجُ الشعوب على الحكام مِن علامات يوم القيامة؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فقد انتهت كلمة أهل السنة إلى الصبر على أئمة الجور، وعدم منابذتهم، وترك القتال في الفتنة، وذلك بعد تجارب مريرة مع السيف تجرَّعت الأمة من ورائها الويلات والغُصَص، والأحاديث الواردة في ذلك مشهورة ومستفيضة، والقاعدة في التعامل معهم: أدُّوا إليهم حقَّهم، وسلوا الله حقَّكم(1). فإنما عليهم ما حُمِّلـوا وعليكم ما حُمِّلتم(2)، وتبقى مناصحتُهم واعتزال باطلهم، وعدم مشايعتهم عليه بقول أو عمل.

وعن عبد الله بن خباب بن الأرتِّ قال: حدثني أبي خباب بن الأرت قال: إنا لقعود على باب رسول الله ننتظر أن يخرج لصلاة الظهر إذ خَرج علينا فقال: «اسْمَعُوا». فقلنا: سمعنا! ثم قال: «اسْمَعُوا». فقلنا: سمعنا! فقال: «إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، فَلَا تُعِينُوهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، وَلَا تُصَدِّقُوهُمْ بِكَذِبِهِمْ، فَإِنَّ مَنْ أَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ، فَلَنْ يَرِدَ عَلَيَّ الْـحَوْضَ»(3).
أما إذا بلغ الأمر بالولاة مبلغ الرِّدة والكفر البواح والخروج الظاهر من الدين، كما لو أعلنوا العلمانية وردوا مرجعيةَ الشريعة، وتحاكموا في الدماءِ والأموال والأعراض إلى غيرِ ما أنزل الله- وتلك قضية مردها إلى أئمة أهل العلم ومقدَّميهم ولا مدخل فيها للعامة وأشباه العامة- فإن شرعيَّتهم تسقط بذلك إجماعًا، ويسقط التعبد بوجوبِ طاعتهم؛ فقد روى البخاري ومسلم عن جُنادةَ بن أبي أُميةَ قال: دخلنا على عُبادةَ بن الصامت وهو مريض، فقلنا: حدِّثنا- أصلحك الله- بحديثٍ ينفعُ اللهُ به سمعتَه مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال: دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم  فبايعناه، فكان فيما أَخَذَ علينا: أن بايَعْنَا على السمعِ والطاعة في منشطِنا ومكرَهِنا وعُسرِنا ويُسرِنا وأَثَرَةٍ علينا، وألا ننازعَ الأمرَ أهلَه، قال: إلا أن تَرَوْا كُفرًا بَوَاحًا عندكم مِن الله فيه برهان(4).
ولكن سقوط الشرعية لا يعني حتمية المنابذة ولا فوريتها؛ لأن ذلك يعتمد على مدى توافر القدرة التي يغلب على الظن معها توقُّع الظفر وإزالة هؤلاء الطغاة بدون مفاسد راجحة؛ من إراقة الدماء واستباحة بيضة أهل الحق.

وإنما أنطنا الحكم على هؤلاء بأئمة أهل العلم لأنهم هم الذين يُجيدون تنقيح المناطات وتحقيقها، وهم الذين يُفرقون بين كفر العمل وكفر الاعتقاد في معترك التطبيق العملي، ويضعون الأمور في مواضعها ويردونها إلى نصابها.
وأدعوك إلى تأمل مقولة الحافظ ابن حجر :: «إنه ينعزل بالكفر إجماعًا، فمن قَوِي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض»(5). اهـ.
وقد كان هذا بمناسبة تعليقه على حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه .
فتأمل قوله: «فمن قوي على ذلك فله الثواب» والقوة المرادة هنا هي القوة المحققة للغاية، وليست القوة المتوهَّمة، أو القوة التي تكسِب معها جولة خاطفة في أول الأمر ثم تنتكس الأمور بعد ذلك وتُستباح البيضة، وهذا هو واقع الحال يا بني، فلا يملك الآحاد قوة في زماننا هذا يواجهون بها جيوشًا مجيشة ذات عتاد وعدة، ومن قال بخلاف ذلك فإنما يجازف بدماء الأبرياء، ويفتح على الأمة بابًا من الفتنة لا طاقة لها به.

ولكن الممكن والمتاح عندما تبلغ الأمور هذا المبلغ أن تعتزل الباطل، وأن لا تشايع أصحابه عليه بقول أو عمل، وأن تدعو إلى الله على بصيرة(6)، وأن تصبر على ما يصيبك(7)، إلى أن يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده(8).
أما المناصحة والاحتساب باللسان فذلك باب فتحه الله على مصراعيه فلا يملك أحد إغلاقه، بل فتحَتْه كذلك القوانين المتعلقة بالحريات في معظم المواقع في واقعنا المعاصر، ولكن المهم أن يكون ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، والكلمة المهذَّبة، وأن يترفَّع عن المهاترات والسباب والشتائم، فـ«لَيْسَ الْـمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ»(9).
ومن ذلك يتضح أمران:
الأول: أن الخروج على الأئمة مرتبط بالكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان، ونص حديث عبادة بن الصامت خير شاهد على ذلك.

الثاني: أن مبنى الشريعة على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وعلى دفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، فإذا كان الأصل هو الصبر على جور الأئمة وعدم الخروج عليهم إلا بالكفر البواح، فإن هذا الأصل لا ينبغي فهمه بمعزل عن بقية الأصول الشرعية التي يدعمها ما لا يحصى من النصوص الجزئية، فإذا كانت مفسدة الصبر على جور الأئمة أعظم من مفسدة القيام عليهم، وقرر ذلك أهل الحل والعقد في جماعة المسلمين، ولم يستقل به طائفة مغامرة تجر الأمة وراءها إلى المحارق والمهالك بلا علم ولا حلم، ولا نظر فيما يصلح من ذلك وما لا يصلح، إذا كان ذلك كذلك فلا حرج في القيام عليهم والحال كذلك، ولا يخفى أن هذا لا يتصور تطبيقه إلا إذا كان فسق الأئمة متعديًا إلى الغير، استطالة على الدماء والأموال والأعراض، ومقامرة بحاضر الأمة ومستقبلها في مجازفات حمقاء، وكان لدى أهل الحل والعقد ما يمكنهم معه القيام عليه دون أن يفضي ذلك إلى مفسدة أعظم.
هذا على مستوى التنظير لهذه المسألة، أما على مستوى التطبيق فالذي يتولى ذلك أهل الحَلِّ والعقد في جماعة المسلمين، فإن الذي يملك سلطة الإبرام هو الذي يملك سلطةَ النقض، ولا يُترَك ذلك للآحاد لما يترتب عليه من المفاسد الظاهرة، ولا يتأتى هذا عمليًّا إلا إذا كان أهل الحل والعقد في حالة يطمعون معًا في الظَّفر بدون مفسدة راجحة، وإلا تعيَّن الانكفاف، وتحول الواجب إلى الاشتغال بالدعوة وتهيئة الأمة لتكون أقرب إلى الله عز وجل ، وأرجى لتحقيق موعوده لها بالنصر والتمكين، فإن سقوط الشرعيَّة لا يعني حتمية المنابذة، بل إنَّ ذلك مرتبطٌ بتحقُّق القدرة وتوقع الظفر وغلبة المصلحة.
فنصيحتي لك يا بني ألا تشقق القول كثيرًا في هذه القضايا، فقد ركب متنها من قبلك كثيرون، ولم يجنوا من وراء ذلك إلا إضاعة الأوقات والأعمار فيما لا جدوى وراءه ولا طائل تحته؛ فخير لك أن تشتغل بما ينفعك مما يمكنك تحقيقه، ولا تصعد النظر إلى غير المتاح فيفوتك المتاح وغير المتاح.
أما النص الذي ذكرتَه فلا أعرفُه حديثًا.
ولا يُعَدُّ خروجُ الشعوبِ على حكوماتها الظالمةِ مِن علاماتِ يومِ القيامةِ، إلا إذا أدَّى ذلك إلى الهرجِ وكثرةِ القتلِ، حتى لا يَدري القاتلُ فيم قَتَلَ؟ ولا المقتولُ فيم قُتِلَ؟ فعن أبي هريرة رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ؟ وَلَا الْـمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ؟» فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: «الْـهَرْجُ، الْقَاتِلُ وَالْـمَقْتُولُ فِي النَّارِ»(10).

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه  قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يحدِّثنا أن بين يدي الساعة الهَرْجَ. قيل: وما الهَرْجُ؟ قال: الكذبُ والقتلُ. قالوا: أكثرُ مما نَقتُل الآن؟ قال: إنه ليس بقتلكم الكفارَ، ولكنه قتلُ بعضِكم بعضًا، حتى يَقتُل الرجلُ جارَه، ويَقتُل أخاه، ويقتل عمَّه، ويقتل ابنَ عمِّه. قالوا: سبحان الله! ومَعَنَا عقولُنا؟! قال: لا إلا أنه يُنزَع عقولُ أهلِ ذاك الزمان، حتى يَحسِبَ أحدُكم أنه على شيءٍ وليسَ على شيء. رواه أحمد وصحَّحه الألباني في «الصحيحة»(11).
فهذا الذي يُعَدُّ مِن علاماتِ يومِ القيامة، وليس مجردَّ التظاهرِ السِّلميِّ، الذي يَمنع الطغيانَ ويَرفع المظالم، وإنْ صَاحَبَه شيءٌ مِن التضحيات. وينبغي أن يرجع في ذلك إلى أهل الحل والعقد.
وهذه مجرد عجالة في الرد على سؤالك بما أسعف به الوقت، إن كان صوابًا فمن الله، وإن كان الأخرى فأنا ملتزم في الجملة بما عليه السلف، أقرُّ بما به يقرون، وأدين بما به يدينون، فإن أخطأت في تحرير بعض أصولهم، أو فهمتها على غير وجهها فأستغفر الله من ذلك، وأنا راجع عنه في حياتي وبعد مماتي والقول ما قالوا، فقولهم أعلم وأسلم وأحكم، والله من وراء القصد. والله تعالى أعلى وأعلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «المناقب» باب «علامات النبوة في الإسلام» حديث (3603)، ومسلم في كتاب «الإمارة» باب «وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول» حديث (1843) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه : أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «سَتَكُونُ أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا» قالوا: يا رسول الله، فما تأمرُنا؟ قال: «تُؤَدُّونَ الْـحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ».

(2) ففي الحديث الذي أخرجه مسلم في كتاب «الإمارة» باب «في طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق» حديث (1846) من حديث أبي هنيدة وائل بن حجر الحضرمي رضي الله عنه  قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال: يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراءُ يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه. ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ».

(3) أخرجه أحمد في «مسنده» (5/111) حديث (21111)، والحاكم في «مستدركه» (1/151) حديث (262)، وابن حبان في «صحيحه» (1/518) حديث (284)، والطبراني في «الكبير» (4/59) حديث (3627)، وابن أبي عاصم في «السنة» (2/352) حديث (757). وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (5/248) وقال: «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح خلا عبد الله بن خباب وهو ثقة»، وصححه الشيخ الألباني في «ظلال الجنة» (757).

(4) أخرجه البخاري في كتاب «الفتن» باب «قول النبي صلى الله عليه وسلم : سترون بعدي أمورًا تنكرونها. وقال عبد الله بن زيد قال النبي صلى الله عليه وسلم : اصبروا حتى تلقوني على الحوض» حديث (7056).

(5) «فتح الباري» (13/123).

(6) قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108].

(7) قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17].

(8) قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: 52].

(9) أخرجه أحمد في «مسنده» (1/404) حديث (3839)، والترمذي في كتاب «البر والصلة» باب «ما جاء في اللعنة» حديث (1977)، والحاكم في «مستدركه» (1/57) حديث (29)، وابن حبان في «صحيحه» (1/421) حديث (192). وقال الترمذي: «حديث حسن»، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين فقد احتجا بهؤلاء الرواة عن آخرهم ثم لم يخرجاه».

(10) أخرجه مسلم في كتاب «الفتن وأشراط الساعة» باب «لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء» حديث (2908).

(11) أخرجه أحمد في «مسنده» (4/406) حديث (19653)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (7/480) حديث (37384)، وذكره الألباني في «السلسلة الصحيحة» (1682).

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   05 السياسية الشرعية, 07 الجهاد

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend