سوء الظن بالله تعالى

ما هو سوء الظن بالله؟ مع ذكر أمثلة. وهل سوء الظن بالله كفر؟ وإذا كان كفرًا فما نوع هذا الكفر؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه و من والاه؛ أما بعد:
فإن سوء الظن بالله تعالى: أن يظنَّ بالله ما لا يليق بذاته المقدَّسة، مثل أن يَصِفَه- وهو العلي العظيم الذي ليس كمثله شيءٌ- بصفاتِ المخلوقِ الناقص، أو أن يظنَّ في فِعلِه سَفَهًا أو ظُلمًا أو نحو ذلك.
وهو من أعظم المحرَّمات وأقبح الذنوب، وهو ذريعةٌ إلى الشرك الأكبر، قال ابن القيم :: «ومن ظنَّ أن له ولدًا أو شريكًا أو أن أحدًا يَشفع عنده بدونِ إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، أو أنه نَصَبَ لعبادِه أولياءَ من دونه يتقرَّبون بهم إليه، ويتوسَّلون بهم إليه ويجعلونهم وسائطَ بينهم وبينه، فيدعونهم ويحبِّونهم كحبِّه ويخافونهم ويرجونهم- فقد ظنَّ به أقبحَ الظنِّ وأسوأه»(1).
وسوء الظنِّ بالله تعالى ينتج غالبًا من الغلوِّ في الصالحين؛ فإن الشخص إذا غلا في المخلوق وجَهِلَ حقَّ الله سبحانه وقَدْرَه، اتَّخذ المخلوقَ واسِطَةً تُقرِّبُه إلى الله؛ فيكون بذلك قد أساء الظنَّ بربه سبحانه وبفضلِه وإحسانه عليه، قال تعالى:﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: 154]، وقال سبحانه متوعِّدًا مَن يظن به الظنَّ السيئ: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: 6].

وقد وقع الشرك في كثيرٍ من الأمم بسبب سوءِ ظنِّهم بالله؛ وذلك أنهم ظنُّوا أن الله عز وجل  لا يَقبَل عبادةً إلا بواسطةٍ مِن خلقه، وأن هذه الواسطة لابد أن يكون لها جاهٌ عند الله كالأنبياء والأولياء، وقاسوا الله سبحانه على خلقه؛ إذ قالوا: إن ملوك الدنيا لا يدخل عليهم أحدٌ إلا بواسطةٍ؛ فوجب اتخاذُ الوسائط مع الله، فأساءوا ظنَّهم بربهم؛ حيث قاسوه على خلقه، وحيث زعموا أنه لا يَقبَل مِن خَلْقِه إلا بواسطةٍ؛ فوقعوا في الشرك به سبحانه، والواجب على العبد أن يُحسِنَ الظنَّ بربه عز وجل ، وذلك له متعلَّقان:
• متعلَّقٌ بالنسبةِ لما يَفعَلُه في هذا الكون؛ فيجب عليه أن يُحسِنَ الظنَّ بالله عز وجل  فيما يفعله في هذا الكون، وأن يعتقد أنَّ ما فَعَلَه إنما هو لحكمةٍ بالغةٍ، قد تصل العقولُ إليها وقد لا تصل، وبهذا يتبيَّن عَظمةَ الله وحكمتَه في تقديره، حتى فيما يقع من حوادث ونكبات؛ فإن الله جل وعلا لم يقدِّرها إلا لحكمةٍ بالِغَةٍ.
• متعلَّقٌ بالنسبة لما يفعله بالعبد، فهذا يجب أن يَظُنَّ بالله أحسنَ الظنِّ، لكن بشرط أن يوجد لديه السببُ الذي يوجب الظنَّ الحسَنَ، وهو أن يعبد الله على مقتضى شريعته مع الإخلاص، فإذا فعل ذلك فعليه أن يظنَّ أن الله يقبل منه، ولا يسيء الظنَّ بالله، بأن يعتقد بأنه لن يقبل منه، وكذلك إذا تاب الإنسان من الذنب، فيحسن الظنَّ بالله أنه يقبل منه، ولا يسيء الظن بالله بأن يعتقد أنه لا يقبل منه.
وأما إن كان الإنسان مفرِّطًا في الواجبات فاعلًا للمحرَّمات، وظنَّ بالله ظنًّا حسنًا، فهذا هو ظنُّ المتهاوِن المتهالِك في الأمانيِّ الباطِلَةِ، بل هو من سوءُ الظنِّ بالله، فإن حكمة الله تأبى مثلَ ذلك. فأسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياك حسنَ الظن به جل في علاه. والله تعالى أعلى وأعلم.
ــــــــــــــــــــــــــ
(1) «زاد المعاد» (3/233).

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   10 متفرقات في العقيدة.

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend