حول ما ادُّعي على منهج الدكتور صلاح الصاوي الدعوي تجاوزه الاشتغال بالرد على أهل البدع

لقد توارث العمل الإسلامي في التعامل مع أهل البدع مدرستين: مدرسة تدعو إلى اعتزالهم بالكلية وإعلان البراءة منهم، وعدم التنسيق معهم في قليل أو كثير، محافظة على واجب الاتباع، وأخرى تدعو إلى التآلف والمداراة في دعوتهم ونصحهم، وإلى التنسيق معهم في المهمات والمصالح العامة، محافظة على واجب الاجتماع، فإلى أي المدرستين ينتمي الدكتور الصاوي؟
لقد نُسِبَ إليكم القول إن مشروعكم الفكري يتضمن الدعوة إلى تجاوز الاشتغال بالرد على أهل البدع، كما يتضمن الدعوة إلى التنسيق مع المبتدعة لمواجهة تيار العلمنة والكفر، وقد قيل في الرد على ذلك: إن هذا يخالف الثوابتَ السلفية، فإن كليهما عدوٌّ، والواجب مواجهتهما جميعًا، بل إن مواجهة البدع وأهلها أهمُّ وأولى من مواجهة الكفر وأهله، فهلا تفضلتم بإلقاء الضوء على هذا وذاك بارك الله فيكم؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فلا ينقضي العجب من هذه الدعوى!
فما دعوت إلى عدم الاشتغال بالردِّ على أهل البدع، وما أثبتُّ هذه الدعوة في كتاب من كتبي قط، ولا هو المنهج العملي الذي سلكته عمليًّا عبر مسيرتي الدعوية على مدى ما يزيد على ثلاثين عامًا، فلم نزل ندعو إلى أصول أهل السنة، ونُصنِّف في ذلك التصانيف، التي تتضمن في تضاعيفها الردَّ على مخالفيها من أهل البدع، وقد شرَّقت هذه التصانيف في دنيا الناس وغرَّبت، ومنها ما كان في منظومة المقررات الدراسية في المؤسسات العِلمية التي مَنَّ الله علينا بتأسيسها أو بالمشاركة في ذلك. ولكن هذا كله كان يتم بعيدًا عن الاستعلائية، والاستفزاز في الخطاب، والتراشق بالعبارات المتجهِّمة، التي تُقيم الحواجز والجُدُر بيننا وبين من ندعوهم إلى هذا الحق، وقد أفاد منها بفضل الله خلقٌ كثير.
إن صفوة القول في الرد على هذه الدعوى أننا لا ندعو إلى ترك الردِّ على أهل البدع، ولا هذا هو المسلك الذي سلكناه عمليًّا، وإنما ندعو إلى تغيير أسلوب الخطاب، فبدلًا من التشنيع والتهييج والإقصاء، أو التقاتل والاحتراب، ننادي بالتآلف، واستقطاب المخالف، وفتح مغاليق قلبه بالحكمة والموعظة الحسنة؛ لأن استحياءه بالتوبة أحبُّ إلى الله عز وجل من قتله بالإصرار والمعاندة، وأن تَلَبُّسَهُ ببدعة لا يمنع من الإفادة منه في المواجهة مع قوى الكفر والعلمنة؛ لأنه قد تمهَّد في أصول أهل السنة أنه يقاتل مع المبتدع من هو أشد منه ابتداعًا، بل ومع الكافر من هو أشد منه كفرًا، وأن هذا المسلك تشتد الحاجة إليه في أزمنة الفتن وغربة الدِّين وضعف الأمة وانكسار شوكتها، ومسيس حاجتها إلى الاحتشاد في مواجهة من يقاتلونها على أصل دينها، حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق.
ولعل مما يزيد هذا الأمر جلاءً أن نذكر أننا قد بدأنا رحلتنا مع التصنيف خارجَ المنطقة العربية، وقد آسَفَنا في هذه المرحلة ما كان يقع على أرض باكستان من مسلسل إحراق المساجد بين السُّنة والشيعة، وما استتبعه ذلك من مسلسل الدماء المراقة بين الفريقين، وقد أتيح لنا أن نجري حوارات مباشرة مع بعض المنتسبين إلى منظمة جنود الصحابة التي كانت تمثل جانبَ السنة في هذا المسلسل الأسيف، وكان السؤال الذي نطرحه على مسامعهم دائمًا: ما هي الغاية من هذه الشراسة في المواجهة، والتي تتلوَّن دائمًا بلون الدماء المراقة من كلا الجانبين؟ وهل تعينت هذه الشراسة طريقًا لتحقيق هذه الغايات؟! هل تعينت الدماء سبيلًا إلى توعية أهل السنة بخطورة التشيُّع وتحذيرهم من ضلالاته وشذوذاته؟! هل تريدون مثلًا أن يتبنى المجتمع الباكستاني ومؤسساته الرسمية بذلك تكفير الشيعة عمومًا علماء وعامة، واعتبارهم من الفِرَق المرتدة كما فعل مع القاديانية من قبل؟!
إن هذا المطمح- إن كان- لا سيبل إلى تحقيقه، فإن أهل السنة لم يجمعوا على هذا القول، وخلافاتهم في تكفير أئمة القوم مشهورة ومتواترة.
وإن كنتم تريدون القضاءَ عليهم واستئصال شأفتهم فلا سبيل إلى ذلك كذلك، فلم يحدث عبر التاريخ الإسلامي أن استئصلت فرقةٌ من الوجود بالكلية مهما بلغت ضلالاتها وشذوذاتها، ثم لتغير خارطة المجتمع الدولي، فإن للقوم دولةً تشدُّ أزرهم وتظاهرهم على باطلهم، ولها من القوة والنفوذ ما لا ينكَرُ أثرُه، وهي دولة جوار وحدود مع باكستان، وللحكومة الباكستانية- شأنها شأن غيرها من الحكومات- حساباتها وموازناتها، لم يبق إذن إلا تحذير أهل السنة من هذه الضلالات وتلك غاية لم تتعين الدماء سبيلًا إلى تحقيقها، تحدثوا عن ضلالات الشيعة كما تشاءون، ألفوا الكتب في الرد عليهم كما تشاءون، ولكن لا يبلغ الأمر بكم هذا المبلغ.
ثم قُدِّر لكاتب هذه السطور بعد ذلك أن يقضي سحابة عمره خارج ديار الإسلام، وقد شرفه الله جل وعلا بالمشاركة في حمل أمانة الدعوة إلى الله في هذه البلاد، وقد كان هذا في أجواء التهييج على الأمة والملة، وخارطة الولاء والبراء في هذه الأجواء، لابد أن تكون لها خصوصياتها التي تتميز بها عمن يقيمون في أزمنة العافية والاسترخاء، أو يعيشون في كنف الأمة، وفي أفضل بقاعها حيث بقايا الشريعة، وبقايا التحاكم إلى الدين وتعظيم شعائر الله عز وجل.
ومع هذا لم يَدُرْ بخلد كاتب هذه السطور أن مداراةَ بعض أهل البدع في هذه الأجواء تقتضي كتمانَ السنة، وتزيين البدعة، وتضليل الأمة وتزييف وعيها، بل عُرف كاتبُ هذه السطور بتصلُّبه في دعوته إلى السنة، وموالاته لأهلها، وتميزت مؤسساته التي أقامها في هذه البلاد بهذا التصلُّب، وكم جرَّ هذا عليه في هذه البلاد وفي تلك الأجواء ما جرَّ، ولكنه صبر على ذلك صبرًا يَحتسب أجره على الله عز وجل.
لقد أقام مئات المحاضرات، وعشرات الدورات في العقيدة في عشرات الولايات، وعلى مدى ربع قرن من الزمان أو يزيد، ولا يزال، شرح فيها أصول أهل السنة في التوحيد والتزكية والاتباع، وردَّ فيها على من خالفهم، وما كتبه في أصول الإيمان يدرس في المعاهد العلمية التي أقامها، أو شارك فيها، وقد طبع عدة طبعات وترجم إلى عدة لغات، وما شرَّق أو غرب إلا منتصرًا لهذا المنهج، ومبطلًا لشبهات خصومه. وهذا هو مقام الدعوة والبناء، وقد أعطاه- فيما يحسب- حقَّه، ولم يأل فيه جهده.
أما مقام إقامة المصالح العامة للمغتربين من أهل الملة فذلك مقام آخر، إن لأهل القبلة في هذه البلاد مصالحَ عامَّةً تمس الحاجة معها إلى تكاتف جهودهم جميعًا لتحقيقها، إن لهم مؤسسات تحتاج إلى حماية، وتقع عليهم مظالم يحتاجون معها إلى تعاضد لدفعها، وإن واقعهم في بحار الكفر المتلاطمة التي تحيط بهم لا يحتمل أن تنتقل شرارةُ الفتن التي تشتعل في الشرق إلى بيئتهم، وأن تقضِي على بقية العافية القليلة التي بقيت في جسدهم.
إن مسلسل تبادل حرق المساجد بين السنة والشيعة الذي يقع في باكستان أو في العراق لا تحتمله أجواءُ المغتربين من المسلمين خارج ديار الإسلام، ومن ثمَّ كان لابد من تريب آلية للحوار في هذه البيئة لتطويق مثل هذه الفتن ومنع انتقالها، ومن هنا كان منطق التآلف والمداراة، مع بقاء الخصوصيات المنهجية والعقدية لكل الطوائف قال تعالي: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا  [الإسراء: 84].
وقد تفاوت أهل السنة في التعامل مع المخالف لهم تفاوتًا ظاهرًا من التصلُّب والمجافاة، إلى التآلف والمداراة، بحسب المصالح أو المفاسد، التي تترتب على هذا أو ذاك، من غير أن يعني هذا إقرارًا لمذهب المخالف بالصحة، أو لشذوذاته العقدية أو المنهجية بالشرعية.
ومثل ذلك مقام المستضعفين من أهل الدين تحت خيمة العلمانية وجبروت الأنظمة الوضعية، فإن مصلحة الدعوة في هذه الأجواء قد تقتضي تنسيقًا في بعض المواقف وتعاضدًا لتحقيق بعض المصالح المشتركة مع فريق أو أكثر من المخالفين في بعض الأصول الكلية، وإذا كان ديننا قد جاء فيه قول النبي ﷺ عن مشركي مكة: «لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ الله إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا»(1).
وقد وَسِع هذا القولُ النبويُّ المضيءُ أهلَ الشرك إن جاءوا بخطة رشد، ألا يسع فريقًا من أهل القبلة ممن بقوا على أصل الدين، ولكنهم استحوذ عليهم الشيطان فتحزبواعلى بعض الأصول البدعية؟!
إن مثل هذا المنطق يلجأ إليه العقلاء قاطبةً فوق كل أرض وتحت كل سماء، ومنها ما يجري عليه العمل في بلاد الحرمين وهي التي أقيمت على التوحيد، ويرابط علماؤها على ثغور إقامة الدين وإحياء السنة، ولا تأخذهم في الحق لومة لائم، إنهم يقرون حكومات بلادهم على إقامة علاقات دبلوماسية مع دول الكُفر ودول البدع لتحقيق بعض المصالح الدينية أو الدنيوية. كما يقرونها على عضوية المنظمات الدولية وما هي إلا تحالفٌ مع أهل الأرض قاطبة عربهم وعجمهم مؤمنهم وكافرهم، على تحقيق بعض المصالح العالمية المشتركة.
أليست بلاد الحرمين- حفظها الله- عضوًا في الأمم المتحدة؟! وما هذه الهيئة إلا تحالف دولي لتحقيق بعض المصالح الدولية المشتركة، وهي تضم فيما تضم عبدة البقر، وعبدة الشياطين، وعبدة النار، كما تضم الرافضة وغيرهم من غلاة أهل البدع، بل تضمُّ المسالمين لأمة الإسلام والمحاربين لها على حد سواء، ولا يرون ذلك قادحًا في عقيدة الولاء والبراء، ولا تبرءوا من حكوماتهم لهذا السبب، لعلمهم أن قواعدَ السياسة الشرعية تستوعب مثل هذه التصرفات التي تدورُ في فلك الموازنة بين المصالح والمفاسد.
إنهم يجتمعون مع ممثلي الدول الإسلامية في المؤسسات الدينية الرسمية كالمجمع الفقهي ورابطة العالم الإسلامي، ومجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمرالإسلامي وغيرها، ومن هؤلاء من عُرف بأشعريته، أو بتصوفه، أو حتى بتشيعه، ولا يرون في ذلك حرجًا، ولا قدحًا في عقيدة الولاء والبراء؛ لأن اجتماعهم في هذه المجالس لتحقيق مصالح عامة للأمة لا يتسنى تحقيقها إلا بهذا الطريق.
ولا أدري كيف يكون مشروعًا أن يجتمع سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله في المجمع الفقهي مع مثل حسنين مخلوف ومعروف الدواليبي لمناقشة بعض القضايا الفقهية، ويكون حرامًا أن يجتمع سفر الحوالي في حملته التي نظمها لمقاومة العدوان مع ممثلي اتجاهات مختلفة داخل البيت المسلم لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ودفع غائلة العدوان عن الأمة؟!
وقل مثل ذلك في جامعات بلاد الحرمين، التي كانت ولا تزال مهوى أفئدة المسلمين في المشارق والمغارب، لقيامها على السنة وحراستها لمعالمها، فإن جل هذه الجامعات قد اعتمدت في إقامة صروحها العلمية على أساتذة يُستجلبون من مصر والشام، على ما عرف به سوادهم الأعظم من أشعرية وتصوف، وعلى ما عليه كثيرٌ منهم من تفريط في شعائر الهدي الظاهر، ولم يمنع ذلك علماء السنة وحراسها في هذه البلاد من أن يستعينوا بهم، ويعولوا عليهم في إقامة هذه الجامعات، بل ولهذه الجامعات وللوزارات المشرفة عليها عناوين ثابتة ومقار دائمة في هذه البلاد عرفت باسم لجان التعاقد، التي تنزل سنويًّا لتتعاقد مع من عرفوا بالتخصص في علوم الآلة من هؤلاء.
ترى هل زاغ هؤلاء عن القصد، وعموا وصموا عن المنهج الصحيح، وهم يعولون على هؤلاء في إقامة صروحهم العلمية، ويسلمون إليهم عقول أبنائهم ليتخرجوا على أيديهم، ويمنحوهم إجازات التخرج، بدءًا من البكالوريوس مرورًا بالماجستير والدكتوراه؟ ولم يحجبوا عن هؤلاء العلماء إلا مادة العقيدة التي لا يعتمدون فيها إلى على من عرف بسلامة المنهج واستقامة المعتقد؟
ألم أقل إنه المنطق الذي يعتمده العلماء، بل العقلاء قاطبةً، وهم يعيشون في عالم متشابك، يأخذ بعضه بحجز بعض، ولا يمكن أن يعيش أحد فيه كمن يعيش داخل جزيرة منعزلة، فينكفئ على ذاته، ولا يرى إلا من كان على شاكلته، ولا يتواصل إلا معه.
أما القول بأن مواجهة أهل البدع أهم وأولى من مواجهة أفكار الكفر والعلمنة فهو قول يحتاج إلى مراجعة، فإن الكفر أسخط لله من البدعة، فقد سئل النبي ﷺ: أي الذنب أعظم؟ فقال: «أَنْ تَجْعَلَ لله نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»(2). وإن أهل الشرك أبعد عن الله من أهل التوحيد ممن خلطوا سنة ببدعة، أو عملًا صالحًا بآخر سيئٍ.
وأيًّا كان الأمر فليس الحديث عن ترك الرد على أهل البدع أو ترك الدعوة إلى السنة، وإنما الحديث تحديدًا حول طريقة التعامل مع المخالف في أزمنة الضعف وغربة الدين، هل هي التصلب والمجافاة أم التآلف والمداراة؟!
والذي نراه يصلح لحال الأمة في زمن ضعفها وانكسارها هو التآلف والمداراة وليس التصلب والمجافاة، ولا علاقة لذلك كما سبق ببيان الحق والدعوة إليه والرد على شبهات مخالفيه، وقد نكون في ذلك مخطئين أو مصيبين، ولكن هذا هو ما نعتقده صوابًا، فإن كان كذلك فهو من الله، وإن كان خطأ فهو منا أو من الشيطان، والله ورسوله منه بريئان. والله تعالى أعلى وأعلم.

———————————

(1) أخرجه البخاري في كتاب «الشروط» باب «الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط» حديث (2734) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم رضي الله عنهما.
(2) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «تفسير القرآن» باب «قوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)}» حديث (4477)، ومسلم في كتاب «الإيمان» باب «كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده» حديث (86)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   10 متفرقات في العقيدة.

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend