حقوق آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم

السؤال:

ما هي حقوق أهل البيت؟ وهل يجوز أن يقال فيهم: عليهم السلام؟

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن حقوق أهل البيت كثيرة، نذكر منها:
• محبَّة أهل البيت وموالاتهم، وقد عدَّها أهل العلم من أصول أهل السنة والجماعة، ولهم من ذلك قدر زائد عن المودَّة العامة التي تكون لسائر المؤمنين.
فللمؤمن من آل البيت له حقان: حقُّ الإيمان، وحق القرابة. فعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله إن قريشًا إذا لقي بعضُهم بعضًا لقَوْهُم ببِشرٍ حَسنٍ، وإذا لقونا لقونا بوجوهٍ لا نعرفها، قال: فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا، وقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الْإِيمَانُ حَتَّى يُحِبَّكُمْ للهِ وَلِرَسُولِهِ»(1). وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحِبُّوكُمْ لله وَلِقَرَابَتِي»(2).
وأهلُ البيت- كما لا يخفى- مراتب ومنازل، وإنهم وإن تميَّزوا فلا يعني أن لهم الفضلُ المطلق على غيرهم في العلم والإيمان، فالثلاثة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، أفضل من عليٍّ، وإن امتاز عنهم بخصوصيات.
• الصَّلاة عليهم وهي حقٌّ لهم عند المسلمين، وذلك سببٌ لرحمة الله تعالى لهم بهذا النَّسب، وقد بيَّن صلى الله عليه وسلم كيفيةَ الصلاة عليهم، وأن الصلاة على آله تبعٌ للصلاة عليه، فعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»(3).
بل رجَّح ابنُ القيم في «جلاء الأفهام» جوازَ الصلاة عليهم منفردةً كذلك فقال: «وإن كان شخصًا معينًا أو طائفةً معينة كُرِه أن يُتَّخَذ الصلاةُ عليه شعارًا لا يخل به، ولو قيل بتحريمه لكان له وجهٌ ولاسيما إذا جعلها شعارًا له ومنع منها نظيرَه أو من هو خير منه، وهذا كما تفعل الرافضةُ بعليٍّ رضي الله عنه فإنهم حيث ذكروه قالوا: عليه الصلاة و السلام، ولا يقولون ذلك فيمن هو خيرٌ منه، فهذا ممنوع. وأما إن صلَّى عليه أحيانًا بحيث لا يجعَلُ ذلك شعارًا كما صلَّى على دافعِ الزكاة، وكما قال ابن عمر للميت: صلى الله عليه. وكما صلى النبيُّ صلى الله عليه وسلم على المرأة وزوجها. وكما رُوي عن علي مِن صلاته على عمر- فهذا لا بأس به. وبهذا التفصيل تتفق الأدلة وينكشف وجهُ الصواب، والله الموفق». انتهى من «جلاء الأفهام»(4).
ومثل ذلك يقال في السلام عليهم عند ذكرهم، والأمر في باب السلام أوسع منه في باب الصلاة، وقال السفاريني: «هل السلام كالصلاة خلافًا ومذهبًا، أو ليس إلا الإباحةُ فيجوز أن يقول: السلام على فلان، وفلان عليه السلام؟ أما مذهبنا- أي الحنبلي- فقد علمت جوازه من جواز الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم استقلالًا بالأولى. وأما الشافعية فكرهه منهم أبو محمد الجوينيُّ، فمنع أن يقال: فلان عليه السلام. وفرَّق آخرون بينه وبين الصلاة، فقالوا: السلام يُشرع في حق كل مؤمن، حيٍّ وميت، حاضرٍ وغائب، فإنك تقول: بلِّغ فلانًا مني السلام، وهو تحية أهل الإسلام، بخلاف الصلاة فإنها من حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا يقول المصلِّي: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين». انتهى من «غذاء الألباب»(5).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «والصلاة على غير الأنبياء تبعًا جائزةٌ بالنص والإجماع، لكن الصلاة على غير الأنبياء استقلالًا لا تبعًا- هذه موضعُ خلاف بين أهل العلم هل تجوز أو لا؟ فالصحيح جوازها، أن يقال لشخص مؤمن: صلى الله عليه، وقد قال الله تبارك وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103]. فكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُصلي على من أتى إليه بزكاته وقال: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى»(6). حينما جاءوا إليه بصدقاتهم، إلا إذا اتُّخذت شعارًا لشخص معين كلما ذُكِر قيل: صلى الله عليه. فهذا لا يجوز لغير الأنبياء، مثل لو كنا كلما ذكرنا أبا بكر قلنا: صلى الله عليه. أو كلما ذكرنا عمر قلنا: صلى الله عليه. أو كلما ذكرنا عثمان قلنا: صلى الله عليه. أو كلما ذكرنا عليًّا قلنا: صلى الله عليه. فهذا لا يجوز أن يتخذ شعارًا لشخص معين». انتهى من «فتاوى نور على الدرب».
والحاصل: أنه لا حرج في الصلاة أو السلام على الصحابيِّ منفردًا أحيانًا، بأن يقال: أبو بكر عليه السلام. أو علي عليه السلام. بشرط ألا يتخذ ذلك شعارًا يُخَصُّ به صحابيٌّ دون من هو أفضل منه، وقد فعل ذلك البخاري في «صحيحه» مع كل من فاطمة وعلي، فكان يذكر اسمهما أحيانًا مقرونا بالسلام عليهم.
• إعطاؤهم خُمُس الخُمس من الغنيمة والفيء: قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)} [الأنفال: 41]، وقال: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر: 7].
• اعتقادُ فضل النسب وطهارة الحسب: فعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ»(7).
فنسبه صلى لله عليه وسلم ونسب آله أشرفُ النسب وأعلاه في العرب والعجم.
منزلة أهل البيت مشروطةٌ بالإيمان والتقوى:
وهذه المكانة المذكورة لأهل البيت مشروطة- كما لا يخفى- بالصلاح والتقوى، فإن «مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»(8). فمدارُ النجاة على الإيمان والعمل الصالح لا على الأنساب والأحساب.
وهم فيما عدا ما لهم من خصائص كغيرهم من المسلمين، لهم ما للمسلمين من حقوق، وعليهم ما على المسلمين من واجبات، فليس قُربهم من النبي صلى الله عليه وسلم بمسوغ لهم تجاوزَ أحكام الله وشرعه، أو أن ينالوا النجاةَ في الآخرة دون تقوى وعملٍ صالح، فكل عباد الله في ميزان الله سواء.
• حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، حدثني عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب: أن العباس بن عبد المطلب دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبًا وأنا عنده فقال: «مَا أَغْضَبَكَ؟» قال: يا رسول الله ما لنا ولقريشٍ، إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوهٍ مُبْشَرَةٍ، وإذا لقونا لقونا بغيرِ ذلك. قال: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمَرَّ وجهُه ثم قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الْإِيمَانُ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لله وَلِرَسُولِهِ». ثم قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ آذَى عَمِّي فَقَدْ آذَانِي فَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ»(9). والله تعالى أعلى وأعلم.

______________

(1) أخرجه أحمد في «مسنده» (1/207) حديث (1772).

(2) أخرجه أحمد في «مسنده» (1/ 207) حديث (1777)، وابن ماجه في «المقدمة» باب «فضل العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه» حديث (140)، والحاكم في «مستدركه» (4/ 85) حديث (6960)، والطبراني في «الكبير» (11/ 433) حديث (12228) من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.

(3) أخرجه البخاري في كتاب «أحاديث الأنبياء» باب «قول الله تعالى: واتخذ الله إبراهيم خليلًا» حديث (3369).

(4) «جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام» ص482.

(5) «غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب» (1/33).

(6) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الزكاة» باب «صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة» حديث (1498)، ومسلم في كتاب «الزكاة» باب «الدعاء لمن أتى بصدقة» حديث (1078)، من حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه.

(7) أخرجه البخاري في كتاب «الفضائل» باب «فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم وتسليم الحجر عليه قبل النبوة» حديث (2276) من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه.

(8) أخرجه مسلم في كتاب «الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار» باب «فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر» حديث (2699) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(9) أخرجه الترمذي في كتاب «المناقب» باب «مناقب العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه» حديث (3758)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح».

تاريخ النشر : 26 سبتمبر, 2018
التصنيفات الموضوعية:   10 متفرقات في العقيدة.

فتاوى ذات صلة: