معايشة السني للشيعي بحكم المصاهرة

سيدي، مشكلتي للأسف أن أمَّ زوجي وأخواته شيعيَّات، والحمد لله كل إخوانه ووالدُه سُنِّيون والحمد لله، لكننا نعيش معهم في بيت واحد، وهذا شيء رغمًا عني، فهل أكتسب أي ذنب من عيشنا معهم أو الأكل مما تطبخ أمه مع أني دائمة الرفض للأكل من أكلهم وحاولت في زوجي كي نكلِّمَهم لكن جوابَه هو الرفض.
مع الإشارة إلى أنهم لايتجرءون على ذكر أي شيء عن الدِّين أمامي، لكن ربنا يعلم أن هذا الموضوع يسبب لي الكثير من المشاكل والتعب النفسي؛ خوفًا من أن أكون مذنبة. جزاكم الله كلَّ خير.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه و من والاه؛ أما بعد:
فإن هذه المعايَشَة التي تقتضيها المصاهرة أو القرابة لا شيء فيها ما داموا لا يتَخَوَّضون في خُصوصيَّاتهم العقدية، ولا يستعلِنُون بعقائدهم في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم  أو في الصِّدِّيقة بنت الصديق عائشة ل، وقد نُهينا عن مخالطة المشركين في الحال التي يكفرون فيها بآيات الله جلَّ وعلا ويستهزئون بها، ولم نُنْهَ عن مخالطتهم في غير ذلك.
قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: 140].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: 68].
فأَوْلى بهذا الحكم أهل القبلة، وبالمناسبة فإن أهل البِدَع ليسوا سواء: فمنهم المعلِنُ ببدعته ومنهم المسِرُّ بها، ومنهم الداعي إلى بدعتِه، ومنهم الساكت عنها، ومنهم الرءوس المنظِّرون ومنهم العامَّة وأشباه العامة، وينبغي أن نعامل كل فريق بما يستحق.
قال ابن القيم :: «فأمَّا أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام، ولكنهم مخالفون في بعض الأصول- كالرافضة والقدرية والجهمية وغلاة المرجئة ونحوهم، فهؤلاء أقسام:
أحدها: الجاهل المقلِّد الذي لا بصيرةَ له، فهذا لا يكفر ولا يفسق، ولا تُرد شهادته، إذا لم يكن قادرًا على تعلُّم الهدى، وحكمه حكم المستضعفين من الرجال والنِّساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، فأولئك عسى الله أن يعفوَ عنهم، وكان الله عفوًّا غفورًا(1).
القسم الثَّاني: المتمكِّن من السُّؤال وطلب الهداية ومعرفة الحق، ولكن يترك ذلك اشتغالًا بدنياه ورياستِهِ ولذَّتِه ومعاشِه وغير ذلك، فهذا مفرِّطٌ مستحق للوعيد، آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله بحسَبِ استطاعَتِه، فهذا حُكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات، فإن غلَبَ ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السنة والهدى- رُدَّتْ شهادته، وإن غلَبَ ما فيه من السنة والهدى- قُبلت شهادته.
القسم الثالث: أن يسألَ ويطلُبَ، ويتبيَّنَ له الهدى، ويتركه تقليدًا وتعصُّبًا، أو بُغْضًا أو معاداة لأصحابه، فهذا أقل درجاته أن يكونَ فاسقًا، وتكفيره محل اجتهاد وتفصيل، فإن كان معلنًا داعية رُدَّت شهادته وفتاويه وأحكامه، مع القدرة على ذلك، ولم تُقبل له شهادة، ولا فتوى ولا حكم، إلا عند الضَّرورة، كحالِ غَلَبة هؤلاءِ واستيلائهم، وكون القضاة والمفتِين والشهود منهم، ففي ردِّ شهادتهم وأحكامهم إذ ذاك فساد كثير، ولا يمكن ذلك، فتُقبل للضرورة»(2). واللهُ تعالى أعلى وأعلم.
ـــــــــــــــــــ
(1) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 98)
﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورً﴾ [النساء: 97- 99].
(2) «الطرق الحكمية» لابن قيم الجوزية ص254- 255.

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend