قمت بالمعاشرة الزوجية وذلك بتواجد ابني في نفس المكان والذي يبلغ من العمر سنتين ونصف، والذي كان يشاهدنا دون أن يرى عوراتنا مما أدى إلى عدم إكمال العملية. ولا أعلم إن كان ممن يميز أم لا. فما هي السن التي يعتبر فيها الطفل مميزًا؟ وهل ما قمنا به يُعتبر إثمًا؟وهل هو حرام يستوجب كفارة؟ وهل بذلك تحرم علي زوجتي؟
أرجوكم فضيلة الشيخ أفيدوني فأنا في حيرة وقلق شديدين وبارك الله فيكم وجزاكم كل خير.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن الأصل في المباشرة الزوجية التصوُّن والاستتار؛ لما في الجماع من كشف العورات التي جاء الإسلام بسترها، ولما يخشى من إثارة شهوة الناظر أو السامع.
والذي يخل بالاستتار عند الجمهور(1) وجودُ شخص مميِّز مستيقظ، وعند المالكية(2) يخل به كذلك وجود شخص نائم في نفس المكان، لأنه عرضة لأن يستيقظ فجأة.
والتمييز في الغالب يكون عند السابعة، وقد يتقدم قليلًا أو يتأخر قليلًا عند بعض الأطفال.
قال ابن قدامة في «المغني»: ((لا يجامع بحيث يراهما أحدٌ، أو يسمع حسَّهما، ولا يقبلها ويباشرها عند الناس. قال أحمد: ما يعجبني إلا أن يكتم هذا كله))(3).
وقال ابن حزم في «المحلى»: ((الاستتار بالجماع فرضٌ؛ لقول الله عز وجل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: 58]))(4). انتهى.
والجمهور على صون الجماع عن نظر المميِّز وسمعِه، وزاد المالكية فأوجبوا سُتْرَةً كذلك عن عيون الأطفال ولو كانوا غيرَ مميزين، اتباعًا لابن عمر الذي كان يخرج الصبي في المهد عندما يُريد الجماع(5). وقولهم جميل في باب الأدب، ولكنه ليس شريعة لازمةً، وإنما اللازم صونُ الجماع عن الأطفال المميزين.
جاء في «الموسوعة الفقهية»:
((يُخِلُّ بالاستتارِ وجودُ شخص مميز مستيقظ معهما في البيت، سواء أكان زوجة، أم سرية (أَمَة)، أم غيرهما، يرى أو يسمع الحس، وبه قال الجمهور. وقد سُئل الحسن البصري عن الرجل يكون له امرأتان في بيت، قال: كانوا يكرهون- يعني: يُحَرِّمُون، كما هو اصطلاح السلف- أن يطأ إحداهما والأخرى ترى أو تسمع. ويُخِلُّ بالاستتار وجودُ نائم، نص على ذلك المالكية، فقال الرهوني في «حاشيته على شرح الزرقاني لمتن خليل»: لا يجوز للرجل أن يصيب زوجته أو أمته ومعه في البيت- يعني في نفس الغرفة- أحدٌ يقظان أو نائم؛ لأن النائمَ قد يستيقظ فيراهما على تلك الحال. ويُخِلُّ بالاستتار- عند جمهور المالكية- وجودُ صغيرٍ غير مميز، اتباعًا لابن عمر الذي كان يُخرج الصبيَّ في المهد عندما يريد الجماع. وذهب الجمهور- ومنهم بعض المالكية- إلى أن وجودَ غيرِ المميز لا يخلُّ بالاستتار؛ لما فيه من مشقة وحرج))(6). انتهى.
فما وقع منك من مجامعة زوجتك أمامَ طفلك البالغ من العمر سنتين ونصف لا بأس به لعدم تمييزه، ولا علاقة لذلك سواء أقلنا بجوازه أو بعدمه على صحَّة النكاح. زادك الله حرصًا وتوفيقًا ووقاك شرَّ الوسوسة وأوجاعها. والله تعالى أعلى وأعلم.
______________________
(1) جاء في «أسنى المطالب» (3/186): «ويكره أن يطأ زوجته أو جاريته بحضرة أخرى) فإنه دناءة». وجاء في «الكافي» لابن قدامة (3/81): «ولا يجامعها بحيث يراها إنسان أو يسمع وجسهما».
(2) جاء في «حاشية الرهوني على شرح الزرقاني» (4/46): «لا يجوز للرجل أن يصيب زوجته أو أمته ومعه في البيت أحد يقظان أو نائم».
(3) «المغني» (7/299-300).
(4) المحلى» (9/231).
(5) انظر: البيهقي في «الكبرى» (7/193) حديث (13874).
(6) الموسوعة الفقهية» (3/178).