سب الدهرسب الدهرسب الدهر

ما حكمُ سبِّ الدهر الذي يشيع على ألسنة كثيرٍ من العوام في هذه الأيام؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه و من والاه؛ أما بعد:
فقد جاء النص الصريح بتحريم سب الدهر، فقال صلى الله عليه وسلم : «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ»، وفي لفظ آخر: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ»، وفي لفظ: «قَالَ اللهُ عز وجل : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِيَ الْأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا»(1).
ومن حيث التفصيل الفقهي ينقسم سبُّ الدهر إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم، فهذا جائز، مثل أن يقول: تعبنا من شدة حر هذا اليوم أو برده، وما أشبه ذلك؛ لأن الأعمال بالنيات، واللفظ صالح لمجرد الخبر؛ ولذلك نظير في كتاب الله عز وجل ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: 19]، وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: 16]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: 55]، فقد وصف اليوم بالنحس وبالعقم.
القسم الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأن يقصد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلِّب الأمور إلى الخير أو الشر، فهذا شرك أكبر؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا حيث نَسَب الحوادث إلى غير الله عز وجل .
القسم الثالث: أن يسب الدهر ويعتقد أن الفاعل هو الله، ولكن يسبه لأجل هذه الأمور المكروهة، فهذا محرم؛ لأنه منافٍ للصبر الواجب وليس بكفر؛ لأنه ما سبَّ الله مباشرة، ولو سب الله مباشرة لكان ذلك كفرًا منه.
ومما هو جدير بالذكر أن الدهر ليس من أسماء الله عز وجل ، وإنما نسبته إلى الله تعالى نسبة خلق وتدبير، أي: أنه خالق الدهر، بدليل وجود بعض الألفاظ في نفس الحديث تدل على هذا، مثل قوله تعالى: «بِيَدِيَ الْأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»، فلا يمكن أن يكون في هذا الحديث المقلِّب بكسر اللام والمقلَّب بفتح اللام واحدًا، وإنما يوجد مقلِّب بكسر اللام وهو الله، ومقلَّب بفتح اللام وهو الدهر، الذي يتصرف الله فيه كيف شاء ومتى شاء.
وقد ذكر الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: 24]: قال الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم : «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ»: كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدهر، فيُسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله تعالى، فكأنهم إنما سبوا الله عز وجل  لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نهي عن سب الدهر بهذا الاعتبار؛ لأن الله تعالى هو الدهر الذي يسندون إليه تلك الأفعال(2). والله تعالى أعلى وأعلم.
ــــــــــــــــــــــــ
(1) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «تفسير القرآن» باب «{وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} الآية» حديث (4826)، ومسلم في كتاب «الألفاظ من الأدب وغيرها» باب «النهي عن سب الدهر» حديث (2246)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
(2) «تفسير ابن كثير» (4/152).

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend