- هل يحوز استخدام أموال الزكاة في تصليح مبنى مجاور للمسجد لاستخدامه كمَدرسة إسلامية في عطلة نهاية الأسبوع؟
- هل يجوز استخدام أموال الزكاة لدفع مصاريف صيانة المباني المذكورة من كهرباء ومياه وتنظيف وحراسة؟
- ما مشروعية دفع مرتب الإمام من أموال الزكاة كليًّا أو جزئيًّا؟ علمًا بأن من أعمال الإمام:
أ- رئاسة لجنة الزكاة التي تجمع أموالَ الزكاة وتوصلها لمستحقيها.
ب- الدعوة وحوار الأديان.
كل هذا طبعًا بعد القيام على حاجة الفقراء وهم قلة في جاليتنا.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن من مصارفِ الزكاة مصرفَ في سبيل الله، وهذا المصرف يتسع لأعمال الدعوة إلى الله وما يعين عليها وفقًا لقرار المجمع الفقهي الإسلامي في دورته الثامنة المنعقدة بمكة المكرمة؛ حيث قرر بالأكثرية المطلقة- دخول الدعوة إلى الله تعالى وما يعين عليها ويدعم أعمالها في معنى â Îûur È@Î6y «!$# á [التوبة: 60] في آية المصارف في سورة التوبة، ونص قراره ما يلي:
((بعد تداول الرأي ومناقشة أدلة الفريقين قرَّر المجلس بالأكثرية ما يلي:
1- نظرًا إلى أن القول الثاني قد قال به طائفةٌ من علماء المسلمين وأن له حظًّا من النظر في بعض الآيات الكريمة، مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 262].
ومن الأحاديث الشريفة مثل ما جاء في «سنن أبي داود»: أن رجلًا جعل ناقة في سبيل الله فأرادت امرأته الحج فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «ارْكَبِيهَا؛ فَإِنَّ الْـحَجَّ فِي سَبِيلِ الله»([1]).
2- ونظرًا إلى أن القصد من الجهاد بالسلاح هو إعلاء كلمة الله تعالى، وأن إعلاء كلمة الله تعالى كما يكون بالقتال يكون- أيضًا- بالدعوة إلى الله تعالى ونشر دينه بإعداد الدعاة ودعمهم ومساعدتهم على أداء مهمتهم، فيكون كِلا الأمرين جهادًا؛ لما روى الإمام أحمد والنسائي وصححه الحاكم، عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جَاهِدُوا الـمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ»([2]).
3- ونظرًا إلى أن الإسلام محارَبٌ بالغزو الفكري والعقدي من الملاحدة واليهود والنصارى وسائر أعداء الدين، وأن لهؤلاء من يدعمهم الدعم المادي والمعنوي، فإنه يتعين على المسلمين أن يقابلوهم بمثل السلاح الذي يغزون به الإسلام وبما هو أنكى منه.
4- ونظرًا إلى أن الحروب في البلاد الإسلامية أصبح لها وزارات خاصة بها، ولها بنودٌ مالية في ميزانية كل دولة، بخلاف الجهاد بالدعوة، فإنه لا يوجد له في ميزانيات غالب الدول مساعدةٌ ولا عونٌ.
لذلك كله فإن المجلس يقرر- بالأكثرية المطلقة- دخول الدعوة إلى الله تعالى وما يعين عليها ويدعم أعمالها في معنى «وفِي سَبِيلِ الله» في الآية الكريمة)). انتهى.
وهذا هو ما أشار إليه مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا في توصياته الصادرة في دورة نوازل المساجد والمراكز الإسلامية؛ حيث نصَّ على ما يلي:
((لما كان مفهومُ الجهاد يتسع ليشمل جهادَ الكلمة فإنه يشرع صرفُ الزكاة لأعمال الدعوة إلى الله تعالى، وما يعين عليها ويدعم أعمالها، لدخولها في معنى «وفِي سَبِيلِ الله» الوارد في آية مصارف الزكاة، وبه صدر قرارُ مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي)).
والمدارس الإسلامية خارج ديار الإسلام من آكد وسائل المحافظة على أصل الدين وعلى الهوية الإسلامية، فلا حرج في أن يبذل لها من أموال الزكاة لإقامتها وصيانتها، ولتمويل برامجها التعليمية.
ولا يظهر لي حرج في دفع راتب الإمام من أموال الزكاة كليًّا أو جزئيًّا، فإن الإمام هو القائمُ الأول على أعمال الدعوة، فضلًا عن إشرافه على لجنة الزكاة، فلا يظهر حرج في جعل راتبه من مصارف الزكاة، وإن وجدت موارد أخرى وجعل راتبه منها كان ذلك أولى خروجًا من الخلاف. والله تعالى أعلى وأعلم.
______________________________
([1]) أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك» باب «العمرة» حديث (1989) من حديث أم معقل رضي الله عنها، قالت: لما حجَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وكان لنا جمل، فجعله أبو معقل في سبيل الله، وأصابنا مرض وهلك أبو معقل وخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ من حجه جئته فقال: «يَا أُمَّ معقل ما منعك أن تخرجي معنا؟»، قالت: لقد تهيأنا فهلك أبو معقل، وكان لنا جمل هو الذي نحج عليه فأوصى به أبو معقل في سبيل الله، قال: «فهَلَّا خرجت عليه، فإن الحجَّ في سبيل الله».
([2]) أخرجه أحمد في «مسنده» (3/ 124) حديث (12268)، وأبو داود في كتاب «الجهاد» باب «كراهية ترك الغزو» حديث (2504)، والنسائي في كتاب «الجهاد» باب «وجوب الجهاد» حديث (3096)، والحاكم في «مستدركه» (2/ 91) حديث (2427). وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه».