بين تقصُّد الرياء وعاجل بشرى المؤمن

حاجة الإنسان إلى تقدير الذات تتمثل في أن يكون الفرد متمتعًا بالتقبل والتقدير كشخص يحظى باحترام الذات، وأن يكون محترمًا وله مكانة، وأن يتجنب الرفض أو النبذ أو عدم الاستحسان.
ويقول علماء النفس: إن عدم إشباع هذه الحاجة يؤدي إلى مشاكل نفسية، خاصة لدى المتعلمين، وفي المجتمعات المتقدمة. مثال لذلك شاب جامعي يعمل في جمع القمامة.
وسؤالي هو: كيف يمكن ضبط إشباع هذه الحاجة حسب شرعنا الحنيف؟ مثلًا طبيب حاذق يحب أن يوصف بذلك ويمدح لذلك، في حين أن الداعية الناجح لا يجوز له أن يفرح بما عند الناس، وفي الحديث: «أَوَّلُ مَا تُسَعَّرُ النَّارُ عَلَى مُنْفِقٍ وَقَارِئٍ وَمُجَاهِدٍ»(1).
فهل الأعمال المتعلقة بالآخرة، والتي يُقصد بها في الأساس مرضاة الله {#emotions_dlg.azz}، حكمُها يختلف عن الأعمال المتعلقة بالدنيا؟ أرجو الإفادة. وجزاكم اللهُ خيرًا.

__________________

(1) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (2/137) حديث (408)، والحاكم في «مستدركه» (1/579) حديث (1527) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه هكذا».

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فينبغي أن نفرق بين تقصُّد الرياء والتماس المال والشرف بالعمل الصالح، وبين أن يعمل الرجل عملًا صالحًا فيحمده الناس عليه أو يحبه الناس عليه فإن هذا الأخير من عاجلِ بشرى المؤمن، فعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه  قال: قيل: يا رسول الله، أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده أو يحبه الناس عليه؟ قال: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى المُؤْمِنِ» رواه مسلم(1).
والمؤمن يُبشر في الدنيا بعمله الصالح من عدة وجوه:
أولًا: إذا شرح الله صدره إلى العمل الصالح، وصار يطمئن إليه ويفرح به، فمن بشرى المؤمن أن يجد المؤمن من نفسه راحة في الأعمال الصالحة ورضًا بها وطمأنينة إليها؛ ولهذا كانت الصلاة قرة عين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ قال الله تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزمر: 22]
ثانيًا: ثناء الناس عليه؛ فإن ثناء الناس عليه بالخير شهادة منهم له على أنه من أهل الخير، وهذه الأمة هم الشهداء، كما قال الله تعالى: ﴿ لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: 78]
فإذا كان الإنسان لا يسمع من الناس إلا الثناء عليه، فهذه من نعمة الله عليه، وهي بشرى من الله له.
ثالثًا: أن تُرى له المرائي الحسنة في المنام، يأتيه هذا ويقول: رأيت كذا ورأيت كذا، والثاني يقول: رأيت كذا ورأيت كذا، أو يرى هو بنفسه لنفسه خيرًا؛ فإن هذه من عاجل بشرى المؤمن

فينبغي التفريق بين عاجل بشرى المؤمن وبين تقصُّد الرياء، على التفصيل السابق. والله تعالى أعلى وأعلم.

__________________

(1) أخرجه مسلم في كتاب «البر والصلة والآداب» باب «إذا أثنى على الصالح فهي بشرى ولا تضره» حديث (2642).

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   07 آداب وأخلاق

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend