بنوك حليب الأمهات

طبيبة أطفال مسلمة ستلقي محاضرة عن الأخلاقيات الطبية وتسأل السؤال التالي:
ما حكم بيع لبن الآدميات الطبيعي لتغذية الأطفال حديثي الولادة؟ مع العلم أن هذا يجري الآن، وهو بيع مرضعات مجهولات لبنهن لمن يشتري. ويجرى تسويق هذا المنتج كلبن طبيعي بدون معرفة المرضعة.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن مما تفردت به الشريعة أن جعلت الرضاع لُحمة كلُحمة النسب، فـ«يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»(1)، فلا يجوز بيعُ لبن الآدميات على هذا الوجه، لما يترتب على ذلك من عموم الفوضى، فقد يتزوج الرجل امرأةً يكون قد رضع منها أو من لبن ابنتها أو من لبنِ أمها، وهذه مفسدة عظيمة فتمنع؛ سدًّا للذريعة، وقد تمهد في القواعد أن سدَّ الذريعة من أصول هذه الشريعة.
ومن ناحية أخرى فإن حفظ النسل من الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة بها، فأيُّ سببٍ يُفضي إلى ضياع النسل واختلاطه فينبغي منعُه محافظةً على هذه الكلية، وهذا اللبن في بنوك الحليبِ لا يعرف لبن أي امرأة ولا ندري من الطفل الذي سيرتضع منه، وحفظ النسل واجبٌ، والتسبب في اختلاطه وإضاعتِه محرم.
ولا يقال في مثل هذا أنا أمام جهالة وشكٍّ، وأن الشكَّ يطرح، فإن اليقين لا يزول بالشك؛ لأننا نحن الذين نصنع هذا الشكَّ ونُنشئ هذه الريبةَ بإقدامنا على هذا العمل، فضلا عن انتفاء الضرورة الملجِئة، لتوافر البدائل، والتي تزداد تقدمًا كلما تقدم العلم.
وقد صدر قرارُ مجمع الفقه الإسلامي الدولي بمنع إنشاءِ بنوكِ حليب الأمهات في العالم الإسلامي، وحُرمة الرضاع منها، وهذا هو نصُّ القرار:
((إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمر الثاني بجدة من 10 – 16 ربيع الآخر 1406هـ الموافق 22 – 28 كانون الأول ( ديسمبر ) 1985م:
بعد أن عرض على المجمع دراسة فقهية، ودراسة طبية حول بنوك الحليب، وبعد التأمُّل فيما جاء في الدراستين ومناقشة كل منهما مناقشةً مستفيضة شملت مختلف جوانب الموضوع وتبين منها:
أولًا: أن بنوكَ الحليب تجربةٌ قامت بها الأمم الغربية، ثم ظهرت مع التجربة بعض السلبيات الفنية والعلمية فيها فانكمشت وقلَّ الاهتمام بها.
ثانيًا: أن الإسلام يعتبر الرضاعَ لُحمةً كلحمة النسب يحرم به ما يحرم من النسب بإجماع المسلمين. ومن مقاصد الشريعة الكلية المحافظة على النسب، وبنوك الحليب مؤدية إلى الاختلاط أو الريبة.
ثالثًا: أن العلاقات الاجتماعية في العالم الإسلامي توفر للمولودِ الخداج أو ناقص الوزن أو المحتاج إلى اللبن البشريِّ في الحالات الخاصة- ما يحتاج إليه من الاسترضاع الطبيعي، الأمر الذي يغني عن بنوك الحليب.
قرر ما يلي:
أولًا: منع إنشاء بنوك حليب الأمهات في العالم الإسلامي.
ثانيًا: حرمة الرضاع منها)).
وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: يوجد في أمريكا بنوك اسمها بنوك الحليب، يشترون الحليب من الأمهات الحوامل ثم يبيعونها على النساء اللواتي يحتَجْن إلى إرضاع الأولاد أو حليبها ناقص أو مريضة أو مشغولة بالعمل… إلخ، فما حكم شراء الحليب من هذه البنوك؟ فأجاب رحمه الله:
((حرام، ولا يجوز أن يُوضع بنكٌ على هذا الوجه ما دام أنه حليب آدميات؛ لأنه ستختلط الأمهات، ولا يُدرى من الأم، والشريعة الإسلامية يحرم فيها بالرضاع ما يحرم بالنسب، أما إذا كان اللبن من غير الآدميات فلا بأس)).
وأخيرًا بقي أن نقول: إن هذه القضية من موارد الاجتهاد، قد أفتى بحلها بعض المعاصرين، نذكر منهم: فتوى دار الإفتاء المصريَّة الصادرة عن الشيخ أحمد هريدي المفتي آنذاك، والمجلس الاوربي للإفتاء والبحوث، والدكتور القرضاوي، والشيخ بدر المتولي عبد الباسط، والشيخ عطية صقر.
فتوى دار الإفتاء المصرية:
أرسلت وزارة الصحَّة المصريَّة إلى دار الإفتاء تسأل: هل إنشاء بنك لألبان الأمهات حلال أم حرام؟ والبنك يقوم بجمع لبن الأمهات عن طريق التَّبرُّع أو البيع، ثم تبريده وحفظه في ثلاجات لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر، أو تجفيفه وإعطائه للأطفال المحتاجين للرضاعة الطبيعيَّة، والمشكلة تكمن فيما لو رضع طفل وطفلة من هذا اللَّبن ثم كبرا وأرادا الزَّواج: هل تقف مسألة الأمهات في الرضاعة عقبة في زواجهما؟
فأجابت دار الإفتاء على ذلك بأنه «لا تُحرِّم رضاعةُ أيِّ طفل من هذا اللَّبن الزَّواجَ من ابنة الأم الَّتي أعطت هذا اللبن».
واستندت دار الإفتاء في هذا إلى أن مذهب أبي حنيفة(2) قد نصَّ على أنَّ الرَّضاع لا يحرم إلاَّ إذا تحققت شروطُه ومنها: أن يكون اللَّبن الَّذي يتناوله الطِّفل لبنَ امرأة، وأن يصل إلى جوفه عن طريق الفَمِ، ولا يكون مخلوطًا بغيرِه كالماء، أو الدواء، أو لبن الشاة، أو بجامد من أنواع الطعام، أو بلبن امرأة أخرى، فإن خلط بنوع من الطعام وطبخ معه على النَّار فلا يثبت به التَّحريم باتفاق أئمة المذهب، وإذا لم تمسه النار، فلا يثبت به التَّحريم أيضًا عند أبي حنيفة؛ سواء أكان الطعام المضاف غالبًا، أو مغلوبًا؛ لأنه إذا خلط الجامد بالمائع صار المائع تبعًا، فيكون الحكم للمتبوع والعبرة بالغلَبَةِ، ولو خلط لبن امرأتين فإن العبرة للغلبة أيهما كان أكثر فإنه يثبت التَّحريم دون الآخر، وإن استويا ثبت التَّحريم بهما، والرَّضاع لا يثبت بالشك، ولا يحمل اللَّبن ذائبًا أو جبنًا، فإن تناوله الصبي لا تثبت به الحرمة؛ لأن اسم الرَّضاع لا يقع عليه.
ومن عرض جميع الآراء قالت دار الإفتاء: ((إن اللَّبن المجفف بطريقة التبخير، والذي صار مسحوقًا جافًّا لا يعود سائلًا بحيث لا يتيسر للأطفال تناولُه إلا بعد خلطه بمقدار من الماء يكفي لإذابته- هو مقدار يزيد عن حجم اللَّبن ويغير من أوصافه ويعد غالبًا عليه؛ وبالتطبيق على ما سبق من الأحكام لا يثبت التَّحريم عليه شرعًا، وبذلك فإن لبن الرضاعة الَّذي يجمع لإعداده لتغذية الأطفال بإحدى الطريقتين المشار إليهما ويجمع من نساء عديدات غير محصورات ولا متعينات بعد الخلط؛ فالنصوص الفقهيَّة واضحة في أنه لا مانع من الزَّواج بين الصغيرين اللذين تناولا هذا اللَّبن من الوجهة الشرعية؛ لعدم إمكان إثبات التَّحريم في حالة عدم تعيين السيدة، أو السيدات اللائي ينسب إليها، أو إليهن لبن الرضاعة.
أما في حالة تبريد اللَّبن وبقائِه من شهرين أو ثلاثة صالحًا للتناول، أو إعطائه للأطفال بحالته الطبيعية- فإن عامل الجهالة يبقى دائمًا أيضًا، ومن ثم لا يكون هناك مانع من الزَّواج بين أبناء الرضاع)).
فتوى المجلس الاوربي للإفتاء والبحوث القرار رقم (3/12)
بشأن انتفاع الأطفال من لبن بنوك الحليب القائمة في البلاد الغربية
تداول أعضاء المجلس في موضوع انتفاع أطفال المسلمين – ولا سيما الخدَّج وناقصي الوزن عند الولادة – من لبن بنوك الحليب المنتشرة في المجتمعات الغربية، والتي يحتاجها هؤلاء الأطفال إنقاذاً لحياتهم.
وبعد الاطلاع على القرار رقم 6(6/2) الصادر عن مجمع الفقه الإسلامي الدولي بشأن إنشاء بنوك الحليب في العالم الإسلامي وحرمة الرضاع منها، استعرض المجلس الدراسات الفنية والشرعية المقدمة من بعض أعضائه حول بنوك الحليب، ونظراً لتغير الحيثيات التي استند إليها قرار المجمع الفقهي الدولي وبخاصة ما يتعلق بالمسلمين المقيمين في ديار الغرب، حيث إن هناك بنوكاً للحليب قائمة منذ زمن وتأخذ بالتزايد والانتشار من قطر إلى آخر، إضافة إلى تزايد أعداد المسلمين المقيمين في الغرب وعدم توافر المرضعات المعروفات كما هو الشأن في العالم الإسلامي فإن المجلس يقرر ما يلي:
أولاً : لا مانع شرعاً من الانتفاع من لبن بنوك الحليب عند الحاجة.
ثانياً: لا يترتب على هذا الانتفاع التحريم بسبب الرضاعة؛ لعدم معرفة عدد الرضعات، ولاختلاط الحليب، ولجهالة المرضعات بسبب المنع القانوني المطبَّق في هذه البنوك من الإفصاح عن أسماء مُعْطِيات الحليب، فضلاً عن وفرة عدد هؤلاء المعطِيات الذي يتعذر حصره؛ وذلك استئناساً بما قرره الفقهاء من عدم انتشار الحرمة فيمن يرضع من امرأة مجهولة في قرية، لتعذر التحديد، ولأن الحليب المقدم من تلك البنوك هو خليط من لبن العديد من المرضعات المجهولات ولا تعرف النسبة الغالبة فيه، والله أعلم.
فتوى الشيخ/ عطية صقر:
سُئل الشيخ/ عطية صقر. عن حكم اللَّبن المجفف من أمهات متعددات غير معلومات، فكان جوابُه بالإباحة استنادًا إلى فتوى الشيخ/ أحمد هريدي مفتي الديار المصرية (1963م) الَّتي ذكرناها سابقًا.
هذا ما تيسر تحريرُه في الإجابة عن سؤالك، ويبقى المنع وفقا لقرار المجمع الفقهي هو الاقعد والأوثق والأحوط والأصوب. والله تعالى أعلى وأعلم.

_________________________
(1) أخرجه البخاري في كتاب «الشهادات» باب «الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم» حديث (2645) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(2) جاء في «تحفة الفقهاء» (2/238-239): «إذا وصل اللبن إلى جوف الصبي لا من الثدي بأن أوجر أو أسعط تثبت الحرمة … ولو اختلط اللبن بغيره فهذا على وجوه إن اختلط بالطعام ومسته النار حتى نضج وطبخ لم يتعلق به الحرمة في قولهم جميعا لأنه تغير بالطبخ مع غيره عن طبعه وصفته، وإن اختلط به الطعام ولم تمسه النار فإن كان الطعام هو الغالب لم يثبت به التحريم لأنه زال اللبن وصار اللبن كالعدم وإن كان اللبن غالبا للطعام وهو طعام ظاهر يعتد به قال أبو حنيفة لا يقع به التحريم… وإن اختلط اللبن بالدواء أو الدهن أو النبيذ فإن كان اللبن غالبا يحرم وإن كان الدواء غالبا لا يحرم ويعتبر الغلبة بالإجماع لأن قوة اللبن باقية» .

تاريخ النشر : 23 مايو, 2026
التصنيفات الموضوعية:   11 الرضاع, 12 فتاوى المرأة المسلمة
التصنيفات الفقهية:  

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend