شراء سلعة من الإنترنت وبيعها قبل قبضها

هل يجوز لي أن اشتري سلعةً من الإنترنت مثل حذاء أدفع ثمنه وأتركه عند صاحب السلعة الذي اشتريت منه، ثم أقوم أنا بالبحث عن مشترٍ للحذاء الذي اشتريته، فإذا وجدت المشتري أبيعه الحذاءَ وأطالب الشخص الذي اشتريت منه أن يشحنه إلى عنوان الشخص الذي اشترى مني الحذاء. هل يجوز؟

مع العلم أني اشتريت السلعةَ ودفعت ثمنها قبل أن أجد المشتريَ. أفيدونا بارك الله فيكم.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

فقد اتفق أهل العلم على المنع من بيع الطعام قبل قبضِه لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ». قال ابن عباس: وأحسب كل شي مثله([1]).

واختلفوا فيما سواه، فمنهم من جعل ذلك خاصًّا بالطعام، وهو مذهب مالك رحمه الله([2])، ورواية عن أحمد رحمه الله([3])، ومنهم من أطلق المنع في سائر المبيعات، وهو مذهب الشافعية([4])، واختاره ابن القيم رحمه الله.

ومن أدلتهم ما رواه أبو داود عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى أن تُبَاع السلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم([5]). وبقول ابن عباس راوي حديث «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ»: وأحسب كل شي مثله([6]).

وقد وجه ابنُ القيم عمومَ المنع في الطعام وغيره فقال: ((إن النهي معللٌ بعدم تمام الاستيلاء، وعدم انقطاع علاقة البائع عنه؛ فإنه يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتريَ قد ربح فيه، ويغره الربح، وتضيق عينه منه، وربما أفضى إلى التحيُّل على الفسخ ولو ظلمًا، وإلى الخصام والمعاداة، والواقع شاهد بهذا. فمن محاسن الشريعة الكاملة الحكيمة: منع المشتري من التصرف فيه حتى يتم استيلاؤه عليه))([7]).

ولكن الحيازة أو القبض كما تكون حقيقةً تكون حكمًا بالتخلية؛ لان القبض مطلق في الشرع يرجع في تحديده إلى العُرف؛ ففي الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ فكنت على بكر صعب لعمر، فكان يغلبني فيتقدم أمامَ القوم، فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم، فيزجره عمر ويرده. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «بِعْنِيه». قال: هو لك يا رسول الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بِعْنِيهِ». فباعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ، تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ»([8]).

ففي الحديث أن البكر دخل في ملكية النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد العقد، ولهذا تصرف فيه فوهبه لعبدِ الله بن عمر، ولم يكن قد قبضَه الرسول صلى الله عليه وسلم بيده، أو نقله نقلًا فعليًّا.

قال الحافظ ابن حجر: ((وقد احتج به المالكية، والحنفية في أن القبض في جميع الأشياء بالتخلية، وإليه مال البخاري))([9]). اهـ.

والخلاصة أن هذا البيع لا يصح عند الجمهور ويصحُّ عند المالكية، ووجه المنع خشيةَ انفساخ العقد عندما يرى البائعُ ربحَ المشتري فيما باعه له، فقد يحمله الطمع على التنكر للعقد وفسخه.

ولكن إذا كانت القوانين صارمةً في حماية حقِّ المشتري بحيث تفوِّت على البائع هذه المناورةَ وتجعله عاجزًا عن فسخ العقد، وتلزمه بعقوبات صارمة إذا سولت له نفسه ذلك- جازت هذه الصورة لتخلُّف علة المنع، وكذلك إذا كان البائعُ قد خلى بينك وبين السلعة المبيعة، وانتقل ضمانها إليك، وأصبحت أمانةً عنده، جاز لك بيعها بعد ذلك لمن شئت، لأن القبض يتحقق بالتخلية كما سبق، وإن كنت أشكُّ في تحقق هذه الصورة في البيع عبر الإنترنت. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

________________________

([1]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «البيوع» باب «ما يذكر في بيع الطعام والحكرة» حديث (2132)، ومسلم في كتاب «البيوع» باب «بطلان بيع المبيع قبل القبض» حديث (1525)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

([2]) جاء في «الفواكه الدواني» للنفراوي (2/78): «(ومن ابتاع طعاما) أو أخذه عوضا عن عمل ولو كرزق قاض أو بعض الجند أو أخذ صداقا أو أرض جناية (فلا يجوز) له (بيعه قبل أن يستوفيه) بكيله أو وزنه».

([3]) جاء في «الكافي» لابن قدامة (2/14): «وعن أحمد : أن المنع من البيع قبل القبض يخص المطعوم لاختصاص الحديث به وما ليس بمطعوم من المكيلات والموزونات يجوز بيعه قبل القبض».

([4]) جاء في «الحاوي الكبير» للماوردي (5/220): «كل من ابتاع شيئا من طعام أو غيره لم يجز بيعه قبل قبضه».

([5]) أخرجه أبو داود في كتاب «البيوع» باب «في بيع الطعام قبل أن يستوفِيَ» حديث (3499)، وحسنه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» حديث (3499).

([6]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «البيوع» باب «ما يذكر في بيع الطعام والحكرة» حديث (2132)، ومسلم في كتاب «البيوع» باب «بطلان بيع المبيع قبل القبض» حديث (1525)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

([7]) «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» (9/282).

([8]) أخرجه البخاري في كتاب «البيوع» باب «إذا اشترى شيئًا» حديث (2116).

([9]) «فتح الباري» (4/335).

تاريخ النشر : 30 سبتمبر, 2026
التصنيفات الموضوعية:   01 البيع, 10 الوظائف والأعمال

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend