أرجو بيان الحكم الشرعي في شراء التأمين على الحياة بالشكل التالي: يدفع الشاري مبلغًا شهريًّا محددًا كـ 30 أو 40 دولارًا مثلًا، مقابل أن تتكلف شركة التأمين بدفع تكاليف دفنه وجنازته في حال الوفاة، ودفع مبالغ محددة لأولاده الذين لا زالوا صغارًا أو لم يتخرجوا بعدُ من الجامعة عند الوفاة. ويكون هذا المبلغ الذي يدفع للأولاد محددًا (مثلًا 50 ألف لكل واحد فيهم)، ويتضمن التأمين تغطيةَ بعض الأمراض الخبيثة إن حصلت للمؤمَّن عليه لا سمح الله كالسرطان.
هل يجوز شراءُ هذا التأمين؟ وفي حال عدم الجواز فما هو الحلُّ للمسلم إن مات فجأةً وليس في أملاكه ما يكفي لدفنه وجنازته؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن عقد التأمين التجاري من العقود الفاسدة؛ لما يتضمنه من الغرر الفاحش، وعلى هذا فتاوى الثقات من أهل العلم وقرارات المجامع الفقهية.
ففي قرار مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة وبعد النظر فيما صدر من المجامع الفقهية والهيئات العلمية بهذا الشأن.
قرر ما يلي:
1- أن عقد التأمين التجاري ذا القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري عقد فيه غرر كبير مفسد للعقد، ولذا فهو حرام شرعاً.
2- أن العقد البديل الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي هو عقد التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والتعاون. وكذلك الحال بالنسبة لإعادة التأمين القائم على أساس التأمين التعاوني.
وفي قرار مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا حول التأمين ما يلي:
الأصل في عقود التأمين التجاري الذي تنظِّمُه قوانين التأمين التجاري وتمارسه شركاته؛ بحيث تكون الشركة طرفًا أصيلًا فيه- يلتزم بدفع مبلغ التأمين في حالة وقوع الخطر المؤمن منه في مقابل قيام المستأمن بدفع أقساط محددة طوال فترة التأمين- أنها من العقود الفاسدة؛ بسبب ما شابها من الغرر والجهالة وغير ذلك من أسباب الفساد، وأنه لا يُباح منها إلا ما تُلزم به القوانين أو تُلجئ إليه الحاجات العامة التي تنزل منزلةَ الضرورات، وأن العمل في مجال تسويق هذه العقود أو الإعانة عليها لا يحلُّ إلا عند الضرورات أو الحاجات العامة التي تنزل منزلتها، وعلى من ألجأته حاجتُه إلى العمل في هذه المجالات أن يستصحب نيةَ التحوُّل عن هذا العمل عند أول القدرة على ذلك.
أما التأمينُ الاجتماعي الذي لا يُقصد به الربح، بل الرعاية الاجتماعية أو الصحية للمستفيدين منه، وتتولاه عادة الدولُ والشركاتُ والمؤسسات العامة، وذلك باستقطاع حصةٍ من راتب الموظف مع حصةٍ من المؤمِّن أو بدونها طوالَ مدة عمله فهو مشروع، ولهذا يجوز الانتفاع به والعمل في المؤسسات التي تقوم عليه تأسيسًا أو تسويقًا لقيامِه في الجملة على فكرة مشروعةٍ، مع تجنب ما يغشى تطبيقه من أعمال غير مشروعة كالاستثمارات الربوية ونحوها.
أما التأمين الإسلامي، ويشبهه في بعض خصائصه التأمينَ التكافلي، أو التعاوني، ويقوم على التبرُّع والتعاون وبذل المنافع، ويكون دورُ الشركة فيه هو دورَ الوكيل في إدارة عمليات التأمين والمضاربِ في استثمار أمواله، فهو من العقود المشروعة، فيجوز الانتفاعُ به والعمل في مؤسساته، إذا التزمت بقية الضوابط الشرعية في استثمار أموال التأمين.
فالبديل هو التأمين التعاوني أو الإسلامي إن وُجد، فإن لم يوجد فجماعة المسلمين تتولى زمامَ المبادرة وتتابع شئون من تُوفي ولم يترك ما يلزم لتجهيزه ودفنِه. وأما الأولاد فقول الله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء: 9] [النساء: 9]. والله تعالى أعلى وأعلم.