مسافر صلى العصر بمسحه القديم على الجورب بعدما عاد من سفره

كان مسافرًا ثم رجَع قبل أن يتمَّ ثلاثة أيام في سفره، وكان يمسح على الجورب، وحين عاد أمَّ المصلين لصلاة العصر

هناك إمام يسأل أنه كان مسافرًا ثم رجَع قبل أن يتمَّ ثلاثة أيام في سفره، وكان يمسح على الجورب، وحين عاد أمَّ المصلين لصلاة العصر في بلده ولم ينزع جوربَه بل مسح عليه وصلى بهم. فما الحكم؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

فقد كان عليه- وقد انتهت مدة المسح برجوعه من سفره- أن يخلع الجوربَ عند الوضوء ليتوضأ وضوءًا كاملًا، ولكنه لم يفعل فيلزمه أن يقضيَ صلاة العصر، لأنه إذا انتهت مدة مسح الخفين ثم صلى الإنسان بعد انتهاء المدة، وكان أحدث بعد انتهاء المدة ومسح، وجب عليه إعادة الوضوء كاملًا بغسل رجليه، ووجب عليه إعادة الصلاة، وذلك لأنه لم يغسل رجليه فقد صلَّى بوضوءٍ غير تام.

وهذا هو الذي عليه الجمهور([1]) في توقيت المسح بالنسبة للمسافر بثلاثة أيام بلياليهن، وبالنسبة للمقيم بيوم ليلة.

وقد ذهب المالكية([2]) إلى عدم التفريق بين المسافر والمقيم، وعدم توقيت مدة المسح، فلا يزال يمسح حتى ينزع الخفين؛ ودليلهم على ذلك حديث أبي بن عمارة، وكان ممن صحب النبيَّ صلى الله عليه وسلم- أنه سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن المسح على الخفين: يومًا؟ قال: «يَوْمًا». قال: ويومين؟ قال: «وَيَوْمَيْنِ». قال: وثلاثة؟ قال: «نَعَمْ، وَمَا شِئْتَ»([3]).

ولكن هذا الحديث ضعيف، قال ابن معين رحمه الله: إسنادُه مظلم، وضعَّفه البخاري أيضًا، ولذلك فهو لا يعارِض السُّنة الصحيحة التي أثبتت التوقيت في المسح.

فقول الجمهور أقوَمُ قيلًا وأهدى سبيلًا، وإنما قلنا بالقضاء لتعلُّق الأمر بالطهارة، فلا يعذر في مثله بالنسيان أو الجهالة، قال ابن رشد في «بداية المجتهد»: ((واتفقوا على أنَّ من صلى بغير طهارة أنَّه يجب عليه الإعادة عمدًا أو نسيانًا، وكذلك من صلى لغيرِ القبلة عمدًا كان ذلك أو نسيانًا))([4]).

وقال الإمام النووي في «المجموع»: ((المسألة الثالثة: أجمع المسلمون على تحريم الصلاة على المحدِث؛ وأجمعوا على أنها لا تصحُّ منه سواءً إن كان عالمًا بحدثِه أو جاهلًا أو ناسيًا، لكنه إن صلى جاهلًا أو ناسيًا فلا إثم عليه وإن كان عالمًا بالحدث وتحريم الصلاة مع الحدث؛ فقد ارتكب معصية عظيمة ولا يكفر عندنا بذلك إلا أن يستحله، وقال أبو حنيفة: يكفر لاستهزائه. دليلنا أنه معصية فأشبهت الزنى وأشباهه، هذا كله إذا لم يأت ببدل ولا اضطر إلى الصلاة محدثًا)). انتهى كلامه.

واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أن من ترك شرطًا أو ركنًا من شروط الصلاة أو أركانها جهلًا فلا تلزمه الإعادة، واستدل بأدلة منها حديث المسيء([5]) وغيره، وبناء على مذهبه لا يلزم القضاء، ولكن القضاء أحوط وهو مقتضى قول الجمهور. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

_________________________________

([1]) جاء في «المبسوط» للسرخسي  من كتب الحنفية (1/98): «وهو مؤقت في حق المقيم بيوم وليلة وفي حق المسافر بثلاثة أيام ولياليها»، وجاء في «الحاوي الكبير» للماوردي، من كتب  الشافعية (1/350): «وذهب الشافعي في الجديد إلى تحديده للمقيم يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن»، وجاء في «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» للمرداوي، من كتب الحنابلة (1/176): «قوله (ويمسح المقيم يوما وليلة. والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن) وهذا المذهب بلا ريب. وعليه جماهير الأصحاب».

([2]) جاء في «شرح التلقين» للمازري (1/312): «المشهور من المذهب ترك اعتبار التوقيت».

([3]) أخرجه أبو داود في كتاب «الطهارة» باب «التوقيت في المسح» حديث (158) وقال: «وقد اختلف في إسناده وليس هو بالقوي، ورواه ابن أبي مريم ويحيى بن إسحاق السيلحيني عن يحيى بن أيوب وقد اختلف في إسناده».

([4]) «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» (1/189-190).

([5]) أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» باب «صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود» حديث (856)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه النسائي في كتاب «التطبيق» باب «الرخصة في ترك الذكر في السجود» حديث (1136) من حديث رفاعة بن رافع رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّهَا لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَتَسْتَرْخِي، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. ثُمَّ يَسْتَوِي قَائِمًا حَتَّى يُقِيمَ صُلْبَهُ…».

تاريخ النشر : 05 نوفمبر, 2026
التصنيفات الموضوعية:   01 الطهارة, 02 الصلاة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend