رجل لم يعقَّ عن سبعة من أولاده حتى كبروا لسبب ضيقِ معيشته، وأراد الآن أن يعق عنهم جميعًا بعد أن وسَّع الله عليه في الرزق. هل يجوز أن يشاركهم جميعًا في جمل واحد؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
هذه من مسائل الخلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من أجازها قياسًا على الأضحية والهدي، وهم الحنفية([1]) والشافعية([2])، ومنهم من منع من ذلك وهم المالكية([3]) والحنابلة([4])، وهو اختيار ابن القيم وابن عثيمين رحمهما الله؛ لما ورد في السنة المطهرة من أنه «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ»([5]).
وجهُ الدَّلالةِ:
أنَّه أَمَر أنْ تَكونَ مع كلِّ غُلامٍ عقيقةٌ تُذبحُ عنه، وهذا يومئ إلى أنه أنَّه لا يَصِحُّ أنْ يَشترِكَ غيرُه معه فيها.
ثانيًا: عَدَمُ وُرودِ الدَّليلِ، ولم يَرِدِ الاجتِزاءُ فيها بشِرْكٍ، ولم يَفعَلْه الصَّحابةُ ولا التَّابِعون.
ثالثًا: أنَّ العَقيقةَ فِدْيةٌ عنِ النَّفْسِ؛ فلا بدَّ أنْ تَكونَ ذبيحةً كاملةً؛ لأنَّ الفِداءَ لا يَتبعَّضُ، فالعقيقة جارية مجرى فداء المولود، فناسب أن تكون دمًا كاملًا لتكون فداءَ نفس بنفس، والفداء لابد فيه من التقابل والتكافؤ.
رابعًا: أنَّه لو صَحَّ فيها الاشتِراكُ لَمَا حَصَل المقصودُ مِن إراقةِ الدَّمِ عنِ الولدِ؛ فإنَّ إراقةَ الدَّمِ تَقعُ عن واحدٍ ويَحصُلُ لباقي الأولادِ إخراجُ اللَّحمِ فقط، والمقصودُ نفْسُ الإراقةِ عنِ الولدِ.
وهذا القول الأخير هو الأولى بالاتباع. والله تعالى أعلى وأعلم.
_______________________________
([1]) جاء في «حاشية الشرنبلالي على درر الحكام » (1/266): «وركنها ذبح ما يجوز ذبحها (هي شاة من فرد) أي من رجل واحد لا يجوز منه أقل من شاة (وبدنة) هي بعير (أو بقرة) كما مر (منه) أي من واحد (إلى سبعة) أي مريدين القربة وسواء اتفقت جهات القربة أو اختلفت كأضحية وجزاء صيد وإحصار وكفارة شيء أصابه في الإحرام وتطوع ومتعة وقران وعقيقة عن ولد ولد له من قبل».
([2]) جاء في «المجموع شرح المهذب» للنووي (8/429): «لو ذبح بقرة أو بدنة عن سبعة أولاد أو اشترك فيها جماعة جاز سواء أرادوا كلهم العقيقة أو أراد بعضهم العقيقة وبعضهم اللحم»
([3]) جاء في «شرح مختصر خليل» للخرشي(2/387): «لا يجوز الاشتراك في الهدي لا في ثمنه ولا في أجره ولو كان تطوعا، والأقارب والأجانب سواء، ومثل الهدي في ذلك الجزاء والفدية».
([4]) جاء في «الإقناع» للحجاوي (1/409): «وإن عق ببدنة أو بقرة لم تجزئه إلا كاملة فلا يجزئ فيها شرك في دم».
([5]) أخرجه الترمذي في كتاب «الأضاحي» باب «ما جاء في العقيقة» حديث (1513) وقال: «حسن صحيح».