هناك مقبرة عامة قد يسمحوا لنا باستعمال جزءٍ منها كمقبرة للمسلمين، فهل يُشترط فصلها بسور عن سائر أجزاء المقبرة التي يوجد بها تماثيل وما شابهها على القبور، فضلًا عن أن إدارة المقبرة لا تسمح بسور معدني بل سور بسيط لا يحجب النظر بارتفاع ٦٠ سم.
كذلك لا تسمح إدارة المقبرة بارتفاع القبور عن مستوى الأرض ليسهل عليهم قَص الحشيش، فهل يجوز المشي فوق القبور بالتركتور بهدف التنظيف وقص الحشيش؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فلم تزل قبورُ المسلمين منفصلةً عن قبور غيرهم على مدار التاريخ الإسلامي، وهذا كالإجماع العملي المستيقن الذي تتابعت عليه الأمة عبر القرون، فقد اتفق أهل العلم على حرمة دفن المسلم في مقابر غير المسلمين، وحرمة دفن الكافر في مقابر المسلمين، إلا للضرورة.
وفي الباب حديث بشير مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينما أنا أماشي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبور المشركين فقال: «لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا». ثلاثًا، ثم مرَّ بقبور المسلمين فقال: «لَقَدْ أَدْرَكَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا»([1]).
قال ابن حزم رحمه الله: ((عمل أهل الإسلام من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يُدفن مسلمٌ مع مشرك. واستدل بالحديث السابق ثم قال: فصحَّ بهذا تفريق قبور المسلمين عن قبور المشركين))([2]).
وقال الإمام النووي رحمه الله: ((اتَّفق أصحابُنا رحمهم الله على أنه لا يُدفن مسلم في مقبرةِ كفار، ولا كافر في مقبرة مسلمين))([3]).
ووجه ذلك أن الكافرَ يُعرض على النار غدوًّا وعشيًّا والمسلم يتأذَّى بذلك، كما قال تعالى:﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46].
وهذا العرض إنما هو على أهل القبور، وهو عذاب برزخيٌّ، بدليل قوله بعدها: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46].
ومجرد المجاورة في المنطقة لا تضرُّ، إذا تميزت مقابرُ المسلمين وانفصلت بنحوِ سور أو مسافة كافية تحقق الانفصال والتمايز، مع مدخل مستقل لها.
وبناءً على ذلك فينبغي السعيُ لتحقيق التمايز من جميع الجهات باستكمال السور، والترتيب لمدخل خاص إن أمكن ذلك.
كما ينبغي الاتفاق مع إدارة المقبرة على معالجة قضية المرور بالجرافَّات فوق القبور لقصِّ الحشيش؛ فإنه لا يجوز المشيُ بالأرجل فوق القبور فأولى أن لا يجوز المرور فوقها بالسيارات وقاطعات الحشائش، ونحوها، فالقبرُ لا يحل القعود عليه، ولا الاستناد إليه، ولا المشي عليه؛ لما رواه عمرو بن حزم، قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئًا على قبر، فقال: «لَا تُؤْذِ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ». أو: «لَا تُؤْذِهِ»([4]).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ»([5]).
فإن لم يتيسر ذلك فينبغي السعيُ إلى إيجاد مقبرةٍ خاصَّةٍ بالمسلمين، يتمكنون فيها من إقامة دينهم أحياءً وأمواتًا.
وفق الله الجميع لما يحبُّه ويرضاه. والله تعالى أعلى وأعلم.
________________________________
([1]) أخرجه أبو داود في كتاب «الجنائز» باب «المشي في النعل بين القبور» حديث (3230)، وابن ماجه في كتاب «ما جاء في الجنائز» باب «ما جاء في خلع النعلين في المقابر» حديث (1568)، والحاكم في «مستدركه» (1/528) حديث (1380).
([4]) أخرجه أحمد في «مسنده» حديث (27915).
([5]) أخرجه مسلم في كتاب «الجنائز» باب «النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه» حديث (971).