حديث ضعيف في تلقين الميت

فضيلة المفتي: لقد انتشرت هذه القصة في مواقع التواصل الاجتماعي ((يوم نام إبراهيم ابن الرسول عليه الصلاة والسلام في حُضن أمه مارية وكان عمره ستة عشر شهرًا، والموت يرفرف بأجنحته عليه، والرسول عليه الصلاة والسلام ينظر إليه ويقول له: يا إبراهيم أنا لا أملك لك من الله شيئًا. ومات إبراهيم وهو آخر أولاده، فحمله الأب الرحيم ووضعهُ تحت أطباق التراب وقال له: يا إبراهيم إذا جاءتك الملائكة فقل لهم: الله ربي ورسول الله أبي والإسلام ديني. فنظر الرسول عليه الصلاة والسلام خلفهُ فسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُنهنه بقلب صديع فقال له: ما يبكيك يا عمر؟ فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله: ابنك لم يبلغ الحلم ولم يجر عليه القلم وليس في حاجة إلى تلقين. فماذا يفعل ابن الخطاب وقد بلغ الحلم وجرى عليه القلم ولا يجد ملقنًا مثلك يا رسول الله، وإذا بالإجابة تنزل من رب العالمين جل جلاله بقوله تعالى ردًّا على سؤال عمر: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27] فما مدى صحتها؟ وهل يصح تداوُلُها؟ أفتونا مأجورين.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

فهذه القصة لا تَصحُّ، ولا يَصحُّ في التلقين بهذه الطريقة حديثٌ، وقد نصَّ على ذلك المحققون من الفقهاء والمحدثين، وإنما السُّنة إذا فرغ من دفن الميت أن نقف على قبرِه وأن نستغفر له؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في أعقاب الدفن: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ»([1]). ولم يقل لَقِّنُوه، فلم ترد به سنةٌ صحيحة لا في إبراهيم رضي الله عنه ولا في غيره بذلك.

وقد سئل الشيخ ابن العثيمين رحمه الله هذا السؤال: ((أحسن الله إليكم وبارك فيكم ما رأيكم فيمن يلقنون الميت بعد دفنه، وهم يحتجون بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد لقَّن ابنَه إبراهيم بعد دفنه؟

الشيخ: رأينا أن تلقين الميت بعد دفنه ليس بصحيح، ولم ترد به سنةٌ صحيحة لا في إبراهيم رضي الله عنه ولا في غيره، وأما حديث أبي أمامة المشهور فإنه حديثٌ ضعيف لا يصحُّ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقَف عليه وقال: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ». ولم يقل لقنوه. ثم إن تلقين الميت لا فائدة منه في الواقع؛ لأن الميت لا يسمع مثل هذا ولن يجيب إذا كان ليس على إيمان، مهما لُقِّن لا يجيب إذا كان على غير إيمان، أي إذا مات على غير إيمان فإنه لا يمكن أن يستجيب بالصواب، وإذا مات على الإيمان فإنه يجيب بالصواب سواءٌ لقن أم لم يلقَّن. وخلاصة الجواب أنه لا مشروعية لتلقين الميت بعد دفنه، وأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا في ابنه ولا غيره))([2]). ا هـ. وقد سُئل عن التلقين أحمد بن حنبل فقال: ما رأيت أحداً يفعله إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة، ويُروى فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه.

وإذا لم يصح الحديث، وكان مخالفًا لما استقر فقهًا، فلا يصح تداولُه، ولا التحديث به إلا على سبيل البيان لضعفه. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

________________________

([1]) أخرجه أبو داود في كتاب «الجنائز» باب «الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف» حديث (3221)، والبيهقي في «الكبرى» (4/ 56) حديث (6856) من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه، وذكره النووي في «خلاصة الأحكام» (2/ 1028) وقال: «رواه أبو داود بإسناد حسن»، وصححه الألباني في «مشكاة المصابيح» حديث (133).

([2]) «موقع الشيخ ابن عثيمين».

تاريخ النشر : 01 أغسطس, 2026
التصنيفات الموضوعية:   03 الجنائز
التصنيفات الفقهية:  

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend