هل يجوز تغسيل وتكفين والصلاة على مَن قَتلوا الأبرياء وروَّعوا الآمنين وخرجوا على الجماعة؛ مثل الذين قتلوا القسَّ النصراني بفرنسا منذ عدة أيام، ومن قتلته الشرطة وهو يسرق بنكًا، ومثل الذين قاموا بالانقلاب في تركيا وقتلوا الناس في الشوارع؟ جزاكم الله خيرًا.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فبعد إدانتنا المطلقة لقتل الأبرياء سواءً أكانوا من المسلمين أو من غير المسلمين، أي من أهل الإسلام أو من أهل العهد، وقد أكدنا ذلك مرارًا في كل ما صدر عنا من فتاوى وبيانات، فإننا نقول: إن كل من ثبت له عقد الإسلام يصلَّى عليه قبلَ دفنِه بالغةً ما بلغت كبيرتُه.
ومن الأدلة ما ثبت في «صحيح الإمام مسلم» من حديث جابر بن سَمُرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي برجل قتل نفسه بمشاقصَ فلم يُصَلِّ عليه([1]).
فظاهره: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقرَّ الصحابة على الصلاة عليه، وإنما امتنع صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليه عقوبةً له على معصيته، وزجرًا لغيره عن فعلها.
قال ابن عبد البر رحمه الله: ((أجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على المسلمين المذنبين من أجل ذنوبهم، وإن كانوا أصحابَ كبائر، وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صلوا على كل من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله». وإن كان في إسناده ضعف، فما ذكرنا من الإجماع يشهد له ويصححه..)) ([2]).
وقال النووي رحمه الله: ((قال القاضي: مذهب العلماء كافَّةً الصلاةُ على كلِّ مسلم محدودٍ ومرجومٍ وقاتلٍ نفسَه وولد الزنى، وعن مالك وغيره: أن الإمام يجتنب الصلاة على مقتول في حدٍّ. وعن الزهري: لا يصلى على مرجومٍ ويُصلى على المقتول في قصاص، وقال أبو حنيفة: لا يُصلى على محاربٍ ولا على قتيل الفئة الباغية)). انتهى من «شرح مسلم» للنووي([3]).
ولكن إن ترك الصلاةَ على أصحاب الكبائر أهلُ الفضل والمقدمون في الجالية كان ذلك حسنًا؛ لحديث سمره السابق، زجرًا عن ارتكاب مثل هذه الجرائم، ورسالة إلى جماعة المسلمين ومِن ورائهم العالم أجمع، تتضمن إنكار هذه الأفعال، والشهادة على أصحابها بالبغي والاعتداء.
قال ابن عبد البر رحمه الله: ((وهذا أصل في أن لا يصلي الإمام وأئمة الدين على المحدثين، ولكنهم لا يمنعون الصلاة عليهم، بل يأمر بذلك غيره، كما قال صلى الله عليه وسلم: «صلوا على صحابكم»))([4]). والله تعالى أعلى وأعلم.
____________________________
([1]) أخرجه مسلم في كتاب «الجنائز» باب «ترك الصلاة على القاتل نفسه» حديث (978).