مدة حمل السيد المسيح

كم كانت مدة حمل السيد المسيح؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن جمهور أهل العلم(1) على أنه قد حملت به حملًا عاديًّا كما تحمل سائر النساء تسعةَ أشهر، فهذا هو الأصل الذي لا يُعدَل عنه إلا لدليلٍ.
وروي عن ابن عباس أنه لم يكن إلا أن حملت ثم ولدت على الفور(2). وكان هذا مأخوذٌ من ظاهر قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ [مريم: 22-23]، وأن الفاء للتعقيب.
والجواب عن هذا أن التعقيب في كل موضع بحسبِه؛ فقد قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ﴾ [الحج: 63]. ومعلوم أن الاخضرارَ لا يكون عقيب نزولِ المطر، بل يأخذ ذلك مدة من الزمن تطول أو تقصر. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 12-14].
فهذه الفاء للتعقيب بحسبها، ومن العلوم مُضي فترة من الزمن بين كل طَوْرٍ من أطوار الجنين والطور الذي يليه.
فالظاهر- والله على كل شيء قدير- أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن.
يقول الحافظ ابن كثير في تعليقِه على أثر ابن عباس: ((وهذا غريب، وكأنه مأخوذ من ظاهر قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: 22-23] فالفاء وإن كانت للتعقيب لكن تعقيب كل شيء بحسبه، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 12-14].. فهذه الفاء للتعقيب بحسبها. وقد ثبت في الصحيحين أن بين كل صفتين أربعين يومًا [يعني: تبقى النطفة أربعين يومًا، والعلقة أربعين، والمضغة أربعين]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ﴾ [الحج: 63] فالمشهور الظاهر- والله على كل شيء قدير- أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن، ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل بها وكان معها في المسجد رجلٌ صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس يقال له: يوسف النجار، فلما رأى ثقل بطنها وكبره أنكر ذلك من أمرها ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها، ثم تأمل ما هي فيه فجعل أمرها يجوس في فكره لا يستطيع صرفه عن نفسه، فحمل نفسه على أن عَرَّض لها في القول، فقال: يا مريم إني سائلك عن أمر فلا تعجلي عليَّ. قالت: وما هو؟ قال: هل يكون قطُّ شجرٌ من غير حَبٍّ؟ وهل يكون زرع من غير بذرٍ؟ وهل يكون ولد من غير أب؟ فقالت: نعم. وفهمت ما أشار إليه، أما قولك: هل يكون شجر من غير حَبٍّ؟ وزرع من غير بذر؟ فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب ولا بذر. وهل يكون ولد من غير أب؟ فإن الله تعالى قد خلق آدمَ من غير أب ولا أم. فصدقها وسَلَّم لها حالَها.
ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة انتبذت منهم مكانًا قصيًّا، أي قاصيًا منهم بعيدًا عنهم لئلا تراهم ولا يروها، قال محمد بن إسحاق: فلما حملت به وملأت قُلَّتَها ورجعت استمسك عنها الدمُ وأصابها ما يصيب الحامل على الولد، من الوصب والترحم وتغير اللون حتى فطر لسانها، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا، وشاع الحديث في بني إسرائيل فقالوا: إنما صاحبها يوسف. ولم يكن معها في الكنيسة غيره، وتوارت من الناس واتخذت من دونهم حجابًا فلا يراها أحدٌ ولا تراه))(3). والله تعالى أعلى وأعلم.

_________________
(1) وهو قول وهب بن منبه، والحسن البصري، وروي عن ابن عباس أنها حملت به ساعة، وقيل ثمانية أشهر،. انظر: «تفسير السمرقندي» (2/371)، و«تفسير القرآن» لابن أبي العز (3/91)، و«تفسير الثعلبي» (6/210)، و«التفسير الوسيط» للواحدي (3/180)، وتفسير البغوي (5/225).
(2) ذكره ابن كثير في «البداية والنهاية» (2/65).
(3) «تفسير ابن كثير» (3/117).

تاريخ النشر : 25 فبراير, 2026
التصنيفات الموضوعية:   05 الإيمان بالرسل.
التصنيفات الفقهية:  

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend