أمتلك سيارة أجرة وتمَّ الاتفاق مع أحد الاشخاص على نقل أجولةٍ بها نشارة خشب من مكان لآخر، وبعد فترة من الاتفاق علمت أن هذا الشخص يعمل في تربية وبيع الكلاب، ويستخدم تلك النشارة كحصيرةٍ تُفرش تحتَ الكلاب. فما حكم استمرار التعامل مع هذا الشخص؟ فأنا أعلم أن الكلاب لايجوز بيعُها, فهل هذا صحيح؟ وجزاكم الله خيرًا.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن ما حرم اقتناؤه حرم بيعه، وحرمت الإعانة على ذلك، ولا يجوز اقتناءُ الكلاب إلا كلبَ الصيد، أو كلبَ الماشية والزراعة للحراسة، ومن اتخذ كلبًا فيما سوى ذلك نقص من عمله كل يوم قيراطان، ففي الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ»([1]).
وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ وَلا مَاشِيَةٍ وَلا أَرْضٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ قِيرَاطَانِ كُلَّ يَوْمٍ»([2]).
ولكن هل يجوز اقتناء الكلب لحراسة البيوت؟ موضع نظر بين أهل العلم: وقد يقول قائل إن الظاهر المنع، لكون الاستثناء قد اقتصر على هذه الثلاثة: كلب الصيد، وحراسة الماشية، وحراسة الزرع.
ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز أن يُقاس على هذه الثلاثة ما كان مثلها أو أولى، كحراسة البيوت؛ لأنه إذا جاز اقتناءُ الكلب لحراسة الماشية والزرع فجواز اقتنائه لحراسة البيوت من باب أولى.
قال النووي في «شرح مسلم»: ((هل يجوز اقتناء الكلاب لحفظ الدُّور والدروب ونحوها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لظواهر الأحاديث؛ فإنها مصرحة بالنهي إلا لزرع أو صيد أو ماشية, وأصحهما يجوز قياسًا على الثلاثة، عملًا بالعلة المفهومة من الأحاديث وهي الحاجة))([3]). انتهى.
وهذا الذي صححه النووي رحمه الله هو اختيارُ الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في «شرح صحيح مسلم»، قال: ((والصحيح أنه يجوز اقتناؤه لحفظ البيوت، وإذا جاز اقتناءُ الكلب لتحصيل منفعةٍ كالصيد، فاقتناؤه لدفع مضرة وحفظ النفس من باب أولى)).
والقصد من هذا كله أن الكلب الذي يجوز اقتناؤُه يجوز الإعانةُ على ذلك بنقل طعامه وشرابه وسائر ما يحتاجه من المستلزمات الحياتية، والكلب الذي لا يجوز اتخاذه لا تجوز الإعانةُ على شيء من ذلك، فمالك هذا مختلط، وتكتنفه شبهات؛ لأنه ليس إعانة لهذه الحيوانات في عالمها المفتوح، ولو كان ذلك كذلك لكن فيه أجرٌ، ولكن إعانة على اقتنائها في البيوت؛ حيث ورد النهي عن كثير من ذلك.
فابق في هذا العمل بقدر حاجتك إليه، وتحول عنه عند أول القدرة على الاستغناء عنه بالتحوُّل إلى عمل آخر، واجتهد في التماس البديل الذي ينأى بك عن الشبهات. والله تعالى أعلى وأعلم.
____________________________________
([1]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «بدء الخلق» باب «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغسله» حديث (3324)، ومسلم في كتاب «المساقاة» باب «الأمر بقتل الكلاب وبيان نسخه وبيان تحريم اقتنائها إلا لصيد أو زرع أو ماشية ونحو ذلك» حديث (1575)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
([2]) أخرجه مسلم في كتاب «المساقاة» باب «الأمر بقتل الكلاب وبيان نسخه وبيان تحريم اقتنائها إلا لصيد أو زرع أو ماشية ونحو ذلك» حديث (1575) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.