منذ عدة أيام شككت في ارتكاب ذنبٍ معيَّن وكنت أود استشارة من هُم أعلم مني دينيًّا بهذا الذنب في اليوم التالي، لكن للأسف لا أتذكر ما فعلت لكي أتحلل منه، ماذا أفعل في تلك الحالة؟
مشكلتي هي النسيان والوسواس لا يرحمني. أحاول أن أتذكر ماذا فعلت لكي آخذ رأي من هم أعلم دينيًّا مني لكن للأسف أنسى تمامًا، والشيطان يوسوس لي أنني إذا مت الآن لن أدخل الجنة لأنني لم أتب من هذا الذنب.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن المشروع هو التوبةُ العامة من جميع الذنوب ما ذكرت وما لم تذكر، ما علمت وما لم تعلم.
قال ابن القيم رحمه الله: ((المبادرةُ إلى التوبة من الذَّنبِ فرضٌ على الفَوْر ولا يجوز تأخيرُها، فمتى أخَّرها عصى بالتأخير، فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبةٌ أخرى وهي توبته من تأخيرِ التوبة، وقَلَّ أن تخطر هذه ببال التائبِ؛ بل عنده: أنه إذا تاب من الذنب لم يبق عليه شيءٌ آخرُ، وقد بقي عليه التوبة من تأخير التوبة، ولا ينجي من هذا إلا توبةٌ عامةٌ مما يعلم من ذنوبه ومما لا يعلم؛ فإن ما لا يعلمه العبدُ من ذنوبه أكثرُ مما يعلمه، ولا ينفعه في عدم المؤاخذة بها جهلُه إذا كان متمكنًا من العلم، فإنه عاص بترك العلمِ والعملِ، فالمعصية في حقِّه أشدُّ. وفي «صحيح ابن حبان»: «الشِّرْكُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ». فقال أبو بكر: فكيف الخلاصُ منه يا رسول الله؟ قال: «أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِـمَا لَا أَعْلَمُ»([1]). فهذا طلب الاستغفار مما يعلمه اللهُ أنه ذنبٌ ولا يعلمه العبد. وفي الصحيح عنه: أنه كان يدعو في صلاته: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِـي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ إِلَـهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ». وفي الحديث الآخر: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، خَطَأَهُ وَعَمْدَهُ، سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ، أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ»([2]). فهذا التعميمُ وهذا الشمول لتأتي التوبةُ على ما علمه العبدُ من ذنوبه وما لم يعلمه))([3]). انتهى.
أما وسوسةُ الشيطان فلا تلتفت إليها فإنه يريد أن يقنِّطك من رحمة الله، وأن يكدر عليك حياتك، فاتخذه عدوًّا، ولا تمكِّنه من نفسك. زادك الله يا بنيَّ حرصًا وتوفيقًا. والله تعالى أعلى وأعلم.
______________________
([1]) أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (1/62) حديث (61)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/224) وقال: «رواه أبو يعلى عن شيخه عمرو ابن الحصين العقيلي وهو متروك».
([2]) أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة» باب «ما يقال في الركوع والسجود» حديث (483) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.