أرجو أن يتسع صدركم لي، أنا إنسانٌ غارق في المعاصي، وحالي لا يعلم به إلا الله، أنا دائمًا أتوب وأعود، وأنا- والحمد لله- فاشل في إقامة أي علاقة نسائية محرَّمة، ومن الممكن أن توصف حالتي بـ(قليل الخبرة). لكني منذ أكثر من شهر قررت أن أدخل عالم المحادثات عبر الإنترنت (الشات)، ورفضتني جميع الفتيات إلا امرأة من تايلاند (بوذية) متزوجة، ولكنها لا تعيش مع زوجها ولا تحبُّه، تكبرني بـ ١٥ عامًا، وسرعان ما تطورت بيننا العلاقات، وتعلقت بي تعلقًا شديدًا، وأنا أقسم بالله لم أكن أعلم أن تعلق النساء سهل لهذه الدرجة، وفعلت معها كل المحرمات عبرَ الإنترنت، عرضت لي نفسها عارية عبر اتصال الفيديو، ومارسنا الجنس عبر الهاتف مرات عديدة، ووثقت بي بشدة.
جاء يوم وشعرت بعظم ما فعلت، وقررت أن أتركها، ووضحت لها أن هذا يغضب الله، وأنه يجب علي التوبةُ والرجوع إلى الله، ولكنها حزنت حزنًا شديدًا، وكانت ستقتل نفسها تلك الليلة؛ مما دفعني لعدم تركها.
حدثتها عن الإسلام، ووجدتها تعرف كثيرا عنه، وتؤمن بوجود الله، ولكنها-كسلًا- لا تريد أن تدخل الإسلام إلا إذا تزوجت برجلٍ مسلم، فهي تقول: إنها لن تستطيع التقيد بقيود الإسلام، ولن تستطيع ترك الأكل في رمضان.
أنا- حقيقة- في حيرة شديدة، أودُّ أن أتركها- فعلًا- لأن هذا حرامٌ جدًّا، ولكني أخاف عليها، وهي أيضًا مريضة بمرض شديد في الدماغ، يجب أن لا تحزن؛ لكي لا يزداد، وقد عرضت عليَّ هذه التقارير الطبية من قبل أن تتوطد علاقتي بها؛ مما دفعني لتصديقها.
رجاءً أفتوني في أمري، فأنا أريد أن أتركها وأعود إلى الله، وهي بالطبع تشكل عائقًا كبيرًا لي في طريق التوبة، ولكنني أخاف أن تقتل نفسها ويحاسبني الله عليها.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فأول ما تنصح به يا بني أن تفرَّ إلى الله، وأن تبادر إلى التوبة ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: 50]. ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133].
ثم أن تبادر إلى الزواج فإنه وقاية وعصمةٌ، قال سيدي وسيدك صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَـمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»(1).
وإن كانت هذه المرأة صادقة في رغبتها في الدخول في الإسلام وتعاني من بعض الضعف البشري فأعنها على ذلك، وتألَّف قلبها على الإسلام، فإن ذلك خيرٌ لك من الدنيا وما فيها، وقد عنون البخاري في صحيحه فقال «باب فضل من أسلم على يديه رجل». وساق فيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي حازم قال أخبرني سهل رضي الله عنه يعني ابن سعد قال قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر( لأعطين الراية غدا رجلا يفتح على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) فبات الناس ليلتهم أيهم يعطى فغدوا كلهم يرجوه فقال (أين علي؟) فقيل يشتكي عينيه، فبصق في عينيه ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع فأعطاه فقال أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا فقال (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم فوالله لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من أن يكون لك حمر النعم) وافصل بين هذا الجهد الدعوي الذي ينبغي أن يكون لله خالصا استنقاذا لها من الكفر والشرك وجحيم الخلد وشقاء الأبد، وبين تشوفك إلى الزواج بها لاسيما مع فارق السن، و يغلب على ظني فشل هذه العلاقة لو تمت!
فإن هي أسلمت وأنابت إلى الله عز وجل أمكن النظر في أمر علاقتها الزوجية الراهنة: إن أسلم زوجها في مدة العدَّة فهما على نكاحهما، وإن أبى بانت منه بعد العدة وأمكنها الزواج بمن تشاء.
وخوفك أن تقتل نفسها إذا تبت إلى الله عز وجل، وتركت التواصل المحرم معها من تلبيس الشيطان وتزيينه وتلاعبه بك، فإن ذلك لن يغني عنك من عذاب الله من شيء، ويوم القيامة يفرُّ المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعًا ثم ينجيه(2).
وما أشبه حالك بحال التي تُطعم الأيتام من كدِّ فرجها، ولا تريد ترك الزنا حتى لا يفوتها ثوابُ إطعام اليتامى.
وصدق الشاعر:
كَمطعمَةِ الزهّادِ مِن كَدِّ فَرجِها *** لَـهَا الوَيلُ لا تَزني وَلا تَتَصَدَّقي(3)
فبادر إلى التوبة يا بني، وتأمل في رسالتي هذه إليك. وأسال الله لك الهدى والتقى والعفاف والغنى. والله تعالى أعلى وأعلم.
____________________
(1) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب «النكاح» باب «من لم يستطع الباءة فليصم» حديث (5066)، ومسلم في كتاب «النكاح» باب «استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه» حديث (1400)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(2) قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 33-37].
(3) البيت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو من بحر الطويل.