الحامل والمرضع إذا أفطرتا بسبب الحمل أو الرضاعة؟ هل يلزمها القضاء والفدية؟ أم القضاء فقط؟ أم الإطعام فقط؟ لقد كثر اللغط واحتدم الجدل فأفتونا مأجورين.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فنبدأ بتحرير مقدمة مهمة في هذه المسألة وهي كالمتفق عليه بين الأئمة، وهي أن مناط الرخصة ليس الحملَ أو الرضاعَ في ذاته، بل المشقة التي تلحق بسببهما، والتي يعجزان معها عن الصيام، أو يشق عليهما مشقة ظاهرة، فالحامل أو المرضع إذا قوِيَتا على الصيام ولم يعجزهما صامَتَا، ولا يشرع لهما الفطر، فإذا عجزَا أو شق عليهما إما بالتجربة، وإما بإخبار طبيبٍ ثقة- ساغ لهما الفطر.
قال الجصاص في «أحكام القرآن» بعد أن ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ الْـمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمَ وَعَنِ الْـحَامِلِ وَالْـمُرْضِعِ»([1]). قال: ((ومعلوم أن رخصتهما موقوفةٌ على خوف الضرر على أنفسهما أو على ولديهما))([2]).
وقال الشافعي في «الأم»: ((والحامل إذا خافت على ولدها أفطرت، وكذلك المرضع إذا أضر بلبنها الإضرارَ البين، فأما ما كان من ذلك محتملًا فلا يفطر صاحبه، والصوم قد يزيد عامة العلل ولكن زيادة محتملة وينتقص بعض اللبن ولكنه نقصان محتمل، فإذا تفاحش أفطرتا))([3]).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى»: ((إن كانت الحامل تخاف على جنينها فإنها تُفطر وتقضي عن كل يوم يومًا، وتطعم عن كل يوم مسكينًا رطلًا من خبز بأدمه))([4]).
قال ابن حزم في «المحلى»: ((والحامل، والمرضع، والشيخ الكبير كلهم مخاطبون بالصوم، فصوم رمضان فرض عليهم، فإن خافت المرضِع على المرضَع قلةَ اللبن وضيعته لذلك ولم يكن له غيرها، أو لم يقبل ثدي غيرها، أو خافت الحامل على الجنين، أو عجز الشيخ عن الصوم لكبره: أفطروا))([5]).
ويبقي النظر في الواجب إذا أفطرت الحامل أو المرضع، ولأهل العلم في ذلك أقوال:
- أن عليهما القضاء متى زال العذر، فهما أشبه بالمريض الذي يُرجى له برء، وقد قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185]. وليستا في حكم الشيخ الكبير العاجز، بل هما في حكم المريض، فتقضيان إذا استطاعتا ذلك، ولأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد جمع بينهما وبين المسافر، والمسافر يقضي بلا نزاع، فكذلك الحامل والمرضع، وذلك فيما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَضَعَ عَنِ الْـمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلاةِ وَالصِّيَامَ، وَعَنِ الْـحَامِلِ وَالْـمُرْضِع»([6]).
- الثاني أن عليهما القضاء فقط إذا خافتا على نفسهما، فإن كان خوفها على وليدها أو جنينها فقط وجب عليهما الفديةُ بالإضافة إلى القضاء، وهذا يُروى عن ابن عمر وهو المشهور من مذهب الشافعي رحمه الله([7])، لقوله تعالى:﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 184]. وهما داخلتان في عموم الآية.
قال ابن عباس: كانت رخصة للشيخ الكبير, والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام, أن يفطرا ويُطعما مكان كل يوم مسكينًا، والحُبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا. رواه أبو داود([8]).
وروي ذلك عن ابن عمر، ولا مخالف لهما في الصحابة، ولأنه فطر بسبب نفس عاجزة عن طريق الخلقة فوجبت به الكفارة كالشيخ الهرم، وخبرهم لم يتعرض للكفارة، فكانت موقوفةً على الدليل كالقضاء، فإن الحديث لم يتعرض له، والمريض أخفُّ حالًا من هاتين؛ لأنه يفطر بسبب نفسه.
- الثالث: أن عليهما الفدية فقط، وهو المروي عن ابن عباس وابن عمر؛ لأنهما بمنزلة الذي لا يطيق إلا بمشقة، فدخلتا في قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 184]، والآية ليست منسوخة، ولكنها محمولة على من يطيق الصيام بمشقة، كالشيخ الكبير والمرأة العجوز والحامل والمرضع والمريض مرضًا مزمنًا، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ الْـمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمَ وَعَنِ الْـحَامِلِ وَالْـمُرْضِعِ». ووجب القضاء على المسافر للدليل، ولا دليل على وجوب القضاء على المرضع، والأصل براءة الذمة.
ووجهه من النظر إلحاقهما بالمريض الذي لا يُرجى برؤه لتكرر الحمل والرضاع، وهو اختيار الشيخ الألباني من المعاصرين، وقد نُوقش بأن إلحاق الحامل والمرضع بالمريض الذي يُرجى برؤه أولى وأظهر من إلحاقهما بالشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذين لا يرجى برؤهما من ضعف الشيخوخة، فهو ضعف ملازم لهما، وأيضًا فإن الجمع بين وضع الصوم عن كل من المسافر والحامل والمرضع يشعر أنهما في الحكم سواء، فكما يقضي المسافرُ تقضي الحاملُ والمرضع عند زوال العذر.
وصفوة القول أن مذهب القائلين بوجوب القضاء عند زوال العذر أقوى نظرًا وأرجحُ دليلًا، وهو العزيمة في هذا الباب، فمن تتابع عليها الحملُ والرضاع سنين عددًا وشق عليها القضاء مشقة ظاهرة فلها في رخصة ابن عباس وابن عمر متسعٌ، ومن وقع في حرج وضيق قلَّد من أجاز، ويبقى القضاء هو الحزم والعزيمة والأصل. والله تعالى أعلى وأعلم.
_________________________
([1]) أخرجه الترمذي في كتاب «الصوم» باب «ما جاء في الرخصة في الإفطار للحبلى والمرضع» حديث (715) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وقال الترمذي: «حديث حسن».
([2]) «أحكام القرآن» للجصاص (1/243-244).
([4]) «الفتاوى الكبرى» (2/470).
([6]) أخرجه الترمذي في كتاب «الصوم» باب «ما جاء في الرخصة في الإفطار للحبلى والمرضع» حديث (715) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وقال الترمذي: «حديث حسن».
([7]) جاء في «روضة الطالبين وعمدة المفتين» (2/383): «فالحامل والمرضع، إن خافتا على أنفسهما، أفطرتا وقضتا، ولا فدية كالمريض. وإن لم تخافا من الصوم، إلا على الولد، فلهما الفطر وعليهما القضاء. وفي الفدية أقوال. أظهرها: تجب».
([8]) أخرجه أبو داود في كتاب «الصوم» باب «من قال: هي مثبتة للشيخ والحبلى» حديث (2318).