حول شفاعة الأنبياء

هل هناك شفاعة للأنبياء مثل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه و من والاه؛ أما بعد:
فهناك شفاعة خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وشفاعة عامة لمن شاء الله من الملائكة والنبيين والمرسلين والصالحين من عباد الله، أما الشفاعة الخاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم  فهي أنواع:
أولها: الشفاعة العظمى، وهي من المقام المحمود الذي وعده الله إياه في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79].

وحقيقة هذه الشفاعة هي أن يشفع لجميع الخلق في فصل القضاء حين يؤخر الله الحساب فيطول بهم الانتظار في أرض المحشر يوم القيامة، فيبلغ بهم من الغم والكرب ما لا يُطيقون، فيقولون: من يشفع لنا إلى ربنا حتى يفصل بين العباد، فيأتي الناس إلى الأنبياء فيقول كل واحد منهم: لستُ لها. حتى إذا أتوا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم  فيقول: «أَنَا لَهَا، أَنَا لَهَا»(1)، فيشفع لهم في فصل القضاء، فهذه الشفاعة العظمى، وهي من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم (2).
ثانيها: الشفاعة لأهل الجنة لدخول الجنة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «آتِي بَابَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحَ فَيَقُولُ الخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ، لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ»(3).
ثالثها: شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم  لعمه أبي طالب: فعن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  ذُكر عنده عمه أبو طالب فقال: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ»(4).
رابعها: شفاعته صلى الله عليه وسلم  في دخول أناس من أمته الجنة بغير حساب: وهذا النوع ذكره بعض العلماء واستدل له بحديث أبي هريرة الطويل في الشفاعة، وفيه: «ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ. فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْـجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَابِ»(5).
أما الشفاعة العامة، وهي تكون للرسول صلى الله عليه وسلم ، ويشاركه فيها من شاء الله من الملائكة والنبيين والصالحين، وهي أقسام:
أولها: الشفاعة لأناس قد دخلوا النار في أن يخرجوا منها، ومن الأدلة على ذلك: ما جاء في «صحيح مسلم» من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه  مرفوعًا: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لله فِي اسْتِقْصَاءِ الحَقِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ لله يَوْمَ القِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا، كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ. فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ. فَتَحْرُمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا… فَيَقُولُ اللهُ عز وجل : شَفَعَتِ المَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ المُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ»»(3).
ثانيها: الشفاعة لأناس قد استحقوا النار في ألا يدخلوها، وهذه قد يستدل لها بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِالله شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ»»(7). فإن هذه شفاعة قبل أن يدخل النار، فيشفعهم الله في ذلك.
ثالثها: الشفاعة لبعض أهل الإيمان في رفعة درجاتهم في الجنة، ومثال ذلك ما رواه مسلم : عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه دعــا لأبي سلمة فقال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْـمَهْدِيِّينَ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ افْسَحْ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ»(8). والله تعالى أعلى وأعلم.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب «التوحيد» باب «كلام الرب عز وجل  يوم القيامة مع الأنبياء» حديث (7510)، ومسلم في كتاب «الإيمان» باب «أدنى أهل الجنة منزلة فيها» حديث (193) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه .
(2) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «قول النبي صلى الله عليه وسلم: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» حديث (438)، ومسلم في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» حديث (521)، من حديث جابر بن عبد الله ب قال: قال رسول الله عز وجل : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَـمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي؛ كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَيْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ».
(3) أخرجه مسلم في كتاب «الإيمان» باب «في قول النبي صلى الله عليه وسلم : أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعًا» حديث (197) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه .
(4) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «المناقب» باب «قصة أبي طالب» حديث (3885)، ومسلم في كتاب «الإيمان» باب «شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم  لأبي طالب» حديث (210).
(5) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «تفسير القرآن» باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ حديث (4712)، ومسلم في كتاب «الإيمان» باب «أدنى أهل الجنة منزلة فيها» حديث (6565).

(6) أخرجه مسلم في كتاب «الإيمان» باب «معرفة طريق الرؤية» حديث (183).
(7) أخرجه مسلم في كتاب «الجنائز» باب «من صلى عليه أربعون شفعوا فيه» حديث (948) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه .
(8) أخرجه مسلم في كتاب «الجنائز» باب «في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر» حديث (920) من حديث أم سلمة.

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend