باع قطعة أرض قبل تسلمها

قمت بشراء قطعة أرض محددة ومعروفة الحدود والمساحة من أحد التجار، وكانت ضمن أرض زراعية، وقبل أن أتسلمها بعد إبرام العقد قُمت ببيعها إلى شخصٍ آخر بعقدٍ جديد مني له. ثم تقاعس البائع الأول ورفض تسليمَ الأرض لأيٍّ منا. ما الموقف القانوني لكلٍّ منا؟

علمًا بأن المشتري الأخير مني كان يعلم أنها لم ولن تُسلم إلا بعد فتره من الزمن، وقَبِلَ بذلك، لكنه يريد العودة عليه الآن. ما الحل؟ جزاكم الله خيرًا.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

فإن بيع الأشياء قبل قبضها موضعُ نظر عند أهل العلم: فمنهم من منعه بإطلاق، سواء أكان ثابتًا كالعقار أم كان منقولًا، وسواء أكان المنقول يحتاج إلى تخلية أم لا، وهذا ما ذهب إليه الشافعية([1]).

ومما يستدل به على عموم المنع حديث حكيم بن حزام عند أحمد: قلتُ: يا رسول الله، إني أشتري بيوعًا، فما يحل لي منها وما يحرم؟ قال: «إِذَا اشْتَرَيْتَ بَيْعًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ»([2]).

ومنهم من قصر المنع على غير العقار، وهم الأحناف([3])، لأن العقار لا يُتصور تلفه قبل قبضه، فانتفت علةُ المنع وهي الغرر. ونوقش بأنه يتصور فيه امتناع البائع الأول عن التسليم كما في هذه الصورة، فإن النتيجة واحدةٌ، وهي عجز البائع الثاني عن التسليم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض انتصاره لعموم منع المبيع قبل قبضه عقارًا كان أو غير عقار: ((وعلَّةُ النهي عن البيع قبل القبض ليست توالي الضمانين، بل عجز المشتري عن تسليمه؛ لأن البائع قد يسلمه، وقد لا يسلمه، لاسيما إذا رأى المشتري قد ربح، فيسعى في رد البيع، إما بجحد أو احتيال في الفسخ))([4]).

وهذا تعليل ظاهرٌ قويٌّ؛ لأن البائع ما دامت السلعة في يده بعد بيعها، وقد رأى المشتري قد باعها قبل قبضها وربح فيها يداخله حسدٌ فيتحايل على فسخِ بيعه؛ لأن السلعة في يده، فلذا لم يجز بيعُها قبل قبضها لهذا الاحتمال المؤدي للشقاق والنزاع.

وفي جميع الأحوال يبقى البائع الثاني ضامنًا إذا أبى من باع له تسليم السلعة، عقارًا كانت أو غيره، فإذا عجزت عن تسليم الأرض فأنت ضامنٌ لثمنها لمن بعتها له.

أما قولك بأن المشتريَ كان يعلم أن الأرض لن تُسلم إلا بعد فترة فيُناقش بأنه لم يكن يعلم امتناع البائع عن التسليم بالكلية، ولو علم بذلك ما غامر بالشراء؛ وفرق بين تأخير التسليم وبين الامتناع عنه بالكلية.

وأرى أن ترفعوا هذه الخصومة إلى القضاء الشرعي لعله يعينكم على تسوية الموقف مع البائع الأول. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

_________________________

([1]) جاء في «الحاوي الكبير» (5/220): «كل من ابتاع شيئا من طعام أو غيره لم يجز بيعه قبل قبضه»، وجاء في «أسنى المطالب» لزكريا الأنصاري (2/82): «لا يصح بيع المبيع قبل القبض ولا الاشتراك فيه و) لا (التولية) منقولا كان أو عقارا وإن أذن البائع وقبض الثمن ».

([2]) أخرجه أحمد في «مسنده» (3/402) حديث (15351).

([3]) جاء في «المبسوط» للسرخسي (13/9): « وأما بيع العقار قبل القبض يجوز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر رحمهما الله، ولا يجوز في قوله الأول »، وجاء في «الهداية شرح بداية المبتدي» للمرغيناني (3/59): «ويجوز بيع العقار قبل القبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمه الله».

([4]) «الفتاوى الكبرى» (4/473).

تاريخ النشر : 25 أكتوبر, 2026
التصنيفات الموضوعية:   01 البيع
التصنيفات الفقهية:  

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend