ولاية الأب تارك الصلاة عقد نكاح ابنته

أنا فتاة عندي 25 سنة، وكنت غير ملتزمة، والحمد لله مَنَّ الله علي بالالتزام، وارتديت الزيَّ الشرعي، مع العلم بأن عائلتي ليست ملتزمة البتة، وتقدم لي شاب ملتزم وذو خلق ومتزوج ولديه أطفال، وعندما تقدم لوالدي رفض مرتين، وفي الثالثة أحضر والده والحمد لله تمت الموافقة على الزواج، ولكن بطلبات مبالغ فيها وهي:
أن يكتب مبلغًا من المال في شيك باسمي ضمانًا لي، وأن يكتب قائمة الأثاث بمبلغ كبير. ولكنني وافقت على أن أتنازل له عن هذه الأموال فيما بعد الزواج لأنني أثق به وبأهله ودينه وأخلاقه.
ثم بعد ذلك والدي لا يريد عقدًا ويكتفي بالخطبة إلى أن يتم الزواج،، وأنا وهو لا نرى ذلك لأننا لا يمكن أن نتعامل في شراء أدواتنا وزياراتنا بدون عقد، وهو أقرب إلى قلبنا من الخطبة، وكي لا يتراجع أبي في كلامه وموافقته.
برجاء نصحنا ماذا نفعل؟
أبي لا يُصلي تكاسلًا وتهاونًا، هو يعلم أن الصلاة فرض ولكنه لا يُقدِّر قيمتها ويقول: الله سوف يغفر لي. فهل يجوز أن يكون وكيلي في عقد الزواج، وإن لم يكن فكيف أقنعه بذلك، ومن يكون الوكيل البديل؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فأرى يا بنيتي أن تصبري وتصابري الوالد؛ حتى يشرح الله صدره للموافقة على إبرام عقد النكاح لكما في وقت مبكر، ليعينكما ذلك على التواصل الشرعي في مرحلة التجهيز، والإعداد للبيت الجديد إن شاء الله، وأنصحك كذلك بالروية والاحتياط، وبالاستخارة في كل خطوة؛ لأن الارتباط برجل متزوج وله أطفال أمر له بعض التَّبِعات، والغيب لله عز وجل.
والسؤال الآن: هل أخبر زوجته الأولى بذلك؟ وإن لم يكن فمتى ينوي إخبارها؟ أنا أعلم أن ذلك ليس بشرط؛ لأن من لا يلزم إذنه لا يلزم علمه، ولكن ذلك من دواعي الاستقرار للأسرة الجديدة؛ لأن زوجته إذا وضعته في المستقبل في لحظة اختيار مُرٍّ وصعب سيجد نفسه مضطرًّا إلى الانحياز إلى أولاده، فالأطفال فلذات أكباد الآباء! وإنني متفهم لتعنت الوالد، وإن كنت لا أجيز له كل هذا التعسير.
وفي اشتراط العدالة وعدم الفسق فيمن يلي عقد الزواج قولان:
القول الأول: أن العدالة شرطٌ لثبوت الولاية: وهو أحد قولي الشافعي(1) ورواية عند الإمام أحمد(2)؛ لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَوَلِـيٍّ مُرْشِدٍ» البيهقي في «السنن»(3).
القول الثاني: أن العدالة ليست بشرط لثبوت الولاية، وهو قول جماهير أهل العلم: مالك (4) وأبي حنيفة (5) وأحد قولي الشافعي (6)، ورواية عن الإمام أحمد(7). وهو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (8).
قال ابن قدامه في «المغني»: «وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي لأنه يلي نكاح نفسَه، فتثبت له الولاية على غيره كالعدل، ولأن سبب الولاية القرابة، وشرطها النظر، وهذا قريب ناظر فيلي كالعدل»(9).
والقول الثاني الذي ذهب إليه الجمهور أظهر؛ لأن الشفقة الجبلِّيَّة لدى الأب وإن كان فاسقًا تدعوه إلى النظر وتغليب مصلحة ابنته.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في «الشرح الممتع»: «والصواب في هذه المسألة أنه لابد أن يكون الولي مؤتمنًا على موليته، أي أنه لا تشترط العدالة الظاهرة، وإنما يكفي أن يكون مؤتمنًا على موليته».
وعلى هذا فلا حرج في ولايته في عقد الزواج. والله تعالى أعلى وأعلم.

_______________

(1) جاء في «نهاية المحتاج» من كتب الشافعية (6/239) (ولا ولاية لفاسق غير الإمام الأعظم مجبرا كان أو لا فسق بشرب الخمر أو لا أعلن بفسقه أو لا على المذهب بل تنتقل الولاية للأبعد لخبر لا نكاح إلا بولي مرشد أي عدل والقول الثاني أنه يلي لأن الفسقة لم يمنعوا من التزويج في عصر الأولين).

(2) جاء في «الإنصاف» من كتب الحنابلة (8/65) (وأما اشتراط العدالة فأطلق المصنف فيها روايتين، وأطلقهما في الهداية والمستوعب والخلاصة والشرح والرعايتين والحاوي الصغير. إحداهما: يشترط عدالته وهو المذهب، قال في المذهب يشترط في أصح الروايتين وصححه بن أبي موسى والأزجي وغيرهم، وجزم به في الوجيز وغيره وقدمه في المحرر وشرح بن رزين والفروع، والرواية الثانية: لا تشترط العدالة فيصح تزويج الفاسق وهو ظاهر كلام الخرقي لأنه ذكر الطفل والعبد والكافر ولم يذكر الفاسق، فعلى المذهب يكفي مستور الحال على الصحيح من المذهب).

(3) أخرجه البيهقي في «الكبرى» (7/126) حديث (13503) ، وذكره ابن الملقن في «خلاصة البدر المنير» (2/189) وقال: «قال الطبراني: تفرد به القواريري. قال البيهقي: هو ثقة متفق على عدالته إلا أن المشهور وقفه على ابن عباس».

(4) جاء في «مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها» (3/ 330) من كتب المالكية «واختلف في الشرط السادس، وهو العدالة، هل هي مشروطة أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن ولاية الفاسق في النكاح جائزة، وهو قول ابن القصار. والثاني: أن ولايته وعقده لا يجوز».

(5) جاء في «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع» (2/ 239) من كتب الحنفية «لعدالة ليست بشرط لثبوت الولاية عند أصحابنا، وللفاسق أن يزوج ابنه وابنته الصغيرين».

(6) جاء في «المجموع شرح المهذب» (16/ 158) من كتب الشافعية «(فرع) قال الشافعي في البويطى: لا يكون الولى الا مرشدا، وقال في موضع آخر وولى الكافرة كافر، وهو يقتضى ثبوت الولاية للفاسق».

(7) جاء في «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي» (8/ 73) من كتب الحنابلة «وأما اشتراط العدالة: فأطلق المصنف فيها روايتين. وأطلقهما في الهداية، والمستوعب، والخلاصة، والشرح، والرعايتين، والحاوي الصغير، إحداهما: يشترط عدالته. وهو المذهب. قال في المذهب: يشترط في أصح الروايتين. وصححه ابن أبي موسى، والأزجي، وغيرهم. وجزم به في الوجيز وغيره. وقدمه في المحرر، وشرح ابن رزين والفروع، والرواية الثانية: لا تشترط العدالة فيصح تزويج الفاسق. وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه ذكر الطفل، والعبد، والكافر. ولم يذكر الفاسق».

(8) جاء في «مجموع الفتاوى» (32/ 99) «فإن أكثرالفقهاء يصححون ولاية الفاسق ».

(9) «المغني» (7/21-22).

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   02 الصلاة, 09 نواقض الإيمان.

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend