وقت قيام الليل والوتر أقله وأكثره

السؤال:

فضيلة الدكتور العزيز، هل يُشترط لصلاة قيام الليل النومُ ثم الاستيقاظُ وأداؤها، أم أنه لا بأس بأن تصلَّى قبل النوم في أي وقت؟

وهل يُشترط أن تُؤجَّل ركعات الوتر إذا ما أردت أن أصليها قبل النوم؟ وهل يصلَّى الوترُ أولًا ثم القيام أم العكس؟ وكم ركعة يكون؟

وهل يجوز أن تُصلى العشاء كاملةً ثم يصلى القيام فقط قبل النوم؟ وما هو فضل وجزاء أداء قيام الليل؟ مع الشكر أستاذي العزيز.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

فإن وقت قيام الليل يبدأ من صلاة العشاء ويمتد إلى طلوع الفجر، ولا يشترط لصحتها النومُ قبلها ولا بعدها.

فمن صلى قبل أن ينام فلا حرج، ومن استيقظ بعد نومه ثم صلى فلا حرج، وإن كان بعض العلماء يخصون صلاة الليل التي تكون بعد نوم باسم التهجُّد.

ومن كل الليل أوترَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، من أوله ومن وسطه ومن آخره، ثم استقرَّ وقته في السحر، لقول عائشة رضي الله عنها: من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول الليل وأوسطه وآخره فانتهى وتره إلى السحر([1]).

ومن خشي أن لا يبعث من الليل أوتر من أوله، أما من غلب على ظنه أنه سيبعث آخر الليل أخره ليكون آخر صلاته؛ فعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ»([2]).

وأفضل وقتها هو الثلث الأخير من الليل لمن ظنَّ أنه سيقوم فيه.

وأقل الوتر عند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة ركعة واحدة، ويجوز ذلك عندهم بلا كراهية، والاقتصار عليها خلافُ الأولى، واستدلوا لذلك بما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلًا قال: يا رسول الله كيف صلاة الليل؟ قال صلى الله عليه وسلم: «مَثْنَى مَثْنَى؛ فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ »([3]).

أما أكثره فإحدى عشرة ركعة، وإن أوتر أحيانًا بثلاث عشرة ركعة فلا بأس، لحديث أم سلمة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُوتر بثلاث عشرة ركعة([4]).

ولصلاة الوتر صفتان: الوصل والفصل.

أولًا: الفصل:

والمراد أن يفصل المصلي بين ركعات الوتر، فيسلم من كل ركعتين، فإذا صلى خمسًا مثلًا صلى ثِنتين ثم ثِنتين ثم يسلم، ثم يصلي واحدة هكذا.

ودليل هذه الصورة حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلي في الحُجرة وأنا في البيت، فيفصل عن الشفعِ والوتر بتسليم يُسمِعْنَاه([5]).

وكذا حديث عائشة رضي الله عنها حيث قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء، وهي التي يدعو الناس العتمة، إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة([6]).

ثانيًا: الوصل:

وهي أن يصلَّى الوتر الذي هو أكثر من ركعة متصلًا لا يُفصل بينها بسلام، ولهذه الصورة حالات:

الحالة الأولى: هي أن يوتر المصلِّي بثلاث ركعات، فالأفضل في حقِّه كما ذكرنا أن يصلي ركعتين ثم يسلم، ثم يصلي ركعةً ثم يسلم. وإن سردها من غير أن يفصل بينها بسلام ولا جلوس جاز له ذلك.

الحالة الثانية: أن يُوتر بخمس أو سبع، فالأفضل هنا أن يسردهن سردًا، فلا يجلس في آخرهن؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاثَ عشرة ركعةً، يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها. وأيضًا لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُوتر بسبع أو بخمس لا يفصل بينهن بتسليم([7]).

الحالة الثالثة: أن يوتر بتسع، فالأفضل أن يسلم من كل ركعتين، ويجوز أن يسرد ثمانيًا ثم يجلس للتشهد ولا يسلم ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلم.

ويجوز في هذه الحالات الثلاث أن يسلم من كل ركعتين.

الحالة الرابعة: أن يُوتر بإحدى عشرة ركعة، فالأفضل أن يسرد عشرًا يتشهد ثم يقوم ويأتي بركعة ويسلم. ويجوز أن يسردها كلها فلا يجلس ولا يتشهد إلا في آخرها.

هذا؛ وإن قيام الليل دأبُ الصالحين وطريقةُ الموفقين الطائعين، من أحياها أحيا اللهُ قلبَه ونوَّر بصيرته وبيَّض وجهه وثبت قدمه، ومن حُرِمَه فقد حُرِمَ خيرًا كثيرًا.

وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على ذلك، فمن الكتاب قوله تعالى واصفًا عباده القائمين القانتين ومثنيًا عليهم وواعدًا لهم بأجزل المثوبة: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)} [السجدة: 16، 17].

وقوله تعالى مخبرًا عن صفوة عباده أنهم استحقوا الجنة، لأنهم: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18)} [الذاريات: 17، 18].

وقوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)} [الزمر: 9].

ومن السنة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يرغِّب في قيام الليل ولو بقدر حلب الناقة. رواه أبو يعلى([8]). أي في وقت يساوي الوقت الذي تُحلب فيه الناقة.

وحديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْـجَنَّةَ بِسَلَامٍ»([9]).

وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ الله الْـمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ»([10]). والله تعالى أعلى وأعلم.

_______________________________

([1]) أخرجه مسلم في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» باب «صلاة الليل وعدد ركعات النبي صلى الله عليه وسلم» حديث (745).

([2]) أخرجه مسلم في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» باب «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله» حديث (755).

([3]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الجمعة» باب «كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر» حديث (1137)، ومسلم في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» باب «صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل» حديث (749).

([4]) أخرجه الترمذي في كتاب «الصلاة» باب «ما جاء في الوتر بسبع» حديث (457)، وقال: «حديث حسن».

([5]) أخرجه أحمد في «مسنده» (6/83) حديث (24583).

([6]) أخرجه مسلم في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» باب «صلاة الليل وعدد ركعات النبي صلى الله عليه وسلم في الليل وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة» حديث (736).

([7]) أخرجه النسائي في كتاب «قيام الليل وتطوع النهار» باب «كيف الوتر بخمس وذكر الاختلاف على الحكم» حديث (1715)، وابن ماجه في كتاب «إقامة الصلاة والسنة فيها» باب «ما جاء في الوتر بثلاث وخمس وسبع وتسع» حديث (1192)، وذكره الألباني في «صحيح سنن النسائي» (1715).

([8]) أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (5/80) حديث (2677) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: فذكرت صلاة الليل فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نصفه ثلثه ربعه فواق حلب ناقة فواق حلب شاة». وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (2/252) وقال: «رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح».

([9]) أخرجه الترمذي في كتاب «صفة القيامة والرقائق والورع» حديث (2485)، وقال: «حديث صحيح».

([10]) أخرجه مسلم في كتاب «الصيام» باب «فضل صوم المحرم» حديث (1163).

تاريخ النشر : 16 ديسمبر, 2021
التصنيفات الموضوعية:   02 الصلاة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend