وقت صلاتي الظهر والعصر بين الجمهور والأحناف

فضيلة الشيخ، أنا من طلبة العلم، وعندنا الإخوة الباكستان يصلون العصر على الظل الثاني، فأريد أن أسأل فضيلتكم ما هو دليلهم على هذا القول؟ كذلك ما حكم صلاة الظهر فيما بين الظل الأول والظل الثاني؟ هل تحسب أداء أم قضاء؟ وبارك الله فيكم.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه و من والاه؛ أما بعد:
وقت العصر في مذهب الجمهور من المالكية(1) والشافعية(2) والحنابلة(3)، وهو قول عند الحنفية(4) قال به الأئمة محمد بن الحسن وأبو يوسف وزفر والطحاوي: هو أن يكون ظِلُّ الشيء مثلَه بعد طرح ظل الزوال، أما عند الأحناف(5) فهو أن يساوي ظل الشيء مثليه بعد طرح الزوال.
ومن أدلة الجمهور على ما ذهبوا إليه: حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَـمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَـمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْـمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَـمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ».
وحديث ابن عباس ب أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: ««أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ فِي الْأُولَى مِنْهُمَا حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْلَ الـشِّرَاكِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْـمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ، وَصَلَّى فِي الْـمَرَّةِ الثَّانِيَةِ الظُّهْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى الْـمَغْرِبَ لِوَقْتِ الْأُولَى، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَتِ الْأَرْضُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ»(7).
أما الأحناف؛ فإن من أدلتهم على ما ذهبوا إليه حديث عبد الله بن عمر ب: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول:«إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا، حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ الْإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ. فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَّنَا أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا». قال: «قَالَ اللهُ عز وجل : هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ»(8).
فقالوا: ما دام النصارى احتجوا بأن لهم أكثر عملًا من المسلمين وقد عملوا من نصف النهار إلى العصر، فلابد أن يكون الفارق بين نصف النهار والعصر أكبر من الفارق بين العصر والمغرب.
وعلى هذا فصلاة الظهر بعد صيرورة ظل كل شيء مثله تعد قضاء عند الجمهور، وأداء عند الأحناف، وقول الجمهور أقوم قِيلًا وأهدى سبيلًا. والله تعالى أعلى وأعلم.

ـــــــــــــــــــــ

(1) جاء في «المنتقى» من كتب المالكية (1/11-14): «ثم صلى له العصر حين كان ظل الشيء مثله».
(2) جاء في «المجموع» من كتب الشافعية (3/16-27): «وأما آخر وقت الظهر فهو إذا صار ظل الشيء مثله غير الظل الذي يكون له عند الزوال، وإذا خرج هذا دخل وقت العصر متصلا به ولا اشتراك بينهما، هذا مذهبنا وبه قال الأوزاعي والثوري والليث وأبو يوسف ومحمد وأحمد».
(3) جاء في «المغني» من كتب الحنابلة (1/272-273): «إذا صار ظل الشيء مثله فهو آخر وقت الظهر وأول وقت العصر».
(4) جاء في «المبسوط» من كتب الحنفية (1/142-144 ): «إذا صار ظل كل شيء مثله خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر وهو رواية محمد عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى».
(5) جاء في «المبسوط» من كتب الحنفية (1/142-144): «وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل قامتين».
وجاء في «بدائع الصنائع» من كتب الحنفية (1/122-123): «وإذا صار ظل العود مثليه من رأس الخط خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر».
(6) أخرجه البخاري في كتاب «التوحيد» باب «في المشيئة والإرادة» حديث (7467).

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   02 الصلاة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend