تأخير الصلاة لأسباب غير معتبرة

كثير من الذين شرح الله صدرهم للإسلام، خصوصًا النساء منهم، يعانين من صعوبة أداء صلاتي الظهر والعصر أثناء فترة العمل، وذلك بسبب حاجتهن للوضوء، ثم وجود المكان الساتر للصلاة؛ حيث إن طبيعة بعض الوظائف تحتم عدم وجود جدران تفصل بين الموظفين، وإذا كان العمل في فصل الشتاء، فسيكون أيضًا من الصعوبة أداء صلاة المغرب بسبب الغروب المبكر للشمس. فهل يؤخرن الصلوات الفائتة حتى يعدن إلى بيوتهن؟ ثم كيف يتم القضاء ترتيبًا؟


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
إقامة الصلاة لوقتها من شعائر الإسلام، قال تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: 103]، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ فقال: «الصَّلَاةُ علَى وَقْتِهَا» متفق عليه.
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللهُ عز وجل، مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَسُجُودَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ كَانَ لَهُ عَلَى الله عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى الله عَهْدٌ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ».
وقد شرع الله عز وجل صلاة الخوف في الجهاد، ولم يعذر المقاتلين بالخوف والتوجس من مباغتة العدو، وإن كان أمرهم أن يأخذوا حذرهم، قال تعالى: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗوَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [النساء: 102].
ونكاد نلمح من خلال الآية خطة حربية كاملة من أجل إقامة الصلاة في وقتها، وعلى هذا فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤخر الصلاة عن وقتها إلا لعذر شرعي معتبر كسفر أو مرض أو مطر، فقد شرعت في مثل ذلك رخصة الجمع، أما ما وراء ذلك فالأصل هو الصلاة لوقتها كما قال تعالى:  فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۚ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: 103].
ولا يخفى أن من جدَّ في أمر يسَّر الله له أسبابه، وفتح الله له مغاليقه، ولا ينبغي للمؤمن أن يلقي السلم عند أول عقبة، بل عليه أن يصبر ويصابر، وأن يعد للأمر عدته، فإذا كانت المشكلة في توفير أماكن مناسبة للوضوء اجتهد في المحافظة على وضوئه قدر الطاقة، وإذا كانت المشكلة في الوقت أمكنه أن يستغل جزءًا من ساعة الغداء في إقامة صلاته، وإذا كانت المشكلة في توفير أماكن فليعلم أن الله قد جعل الأرض لهذه الأمة مسجدًا وطهورًا إلا المقبرة والحمام، فحيثما أدركت العبد الصلاة فليصل، وإن كانت المشكلة في توفير ساتر يستر المرأة عن عيون الناس أثناء إقامة الصلاة فيمكن الاجتهاد في البحث عن مكان مستور ولو كان ذلك في كنيسة قريبة مجاورة.
والخلاصة أن المحافظة على الصلاة في وقتها واجب متحتم على كل مسلم ومسلمة، وأنه لا يقبل الاعتذار عن التقصير في ذلك بأسباب لم تعتبرها الشريعة ولم ترتب عليها رخصة في الجمع بين الصلاة، أما من فاته شيء من الصلاة لعذر قاهر فعليه أن يقضيه عند أول القدرة على ذلك، وأن يكون ذلك على الترتيب فيأتي بالفوائت أولًا ثم يصلي الصلاة الحاضرة بعد ذلك إلا إذا خشي خروج وقت الحاضرة فإنه يبدأ بها ثم يردف بالفائتة، وهل يجب عليه أن يعيد الحاضرة بعد ذلك حتى يحقق الترتيب أم لا يجب؟ خلاف بين أهل العلم. والله تعالى أعلى وأعلم.

تاريخ النشر : 30 يناير, 2012
التصنيفات الموضوعية:   02 الصلاة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend