اتخاذ المساجد في البيوت

ما معنى الحديث التالي: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تُتخَّذ المساجد في البيوت، وتنظَّف وتطيَّب. خلاصة حكم المحدِّث: صحيح.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه و من والاه؛ أما بعد:
فإن مسجد البيت هو المكان الذي يُعِدُّه صاحب البيت ويُهيِّئه لصلاة السنن والنوافل وقراءة القرآن وذكر الله عز وجل ، واتخاذ المساجد في البيوت سُنة مستحبة للرجال والنساء على حد سواء. ومن أدلة مشروعيته ما يلي:
(1) عموم قول الله عز وجل : ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾[يونس: 87].
(2) ما رواه الإمام ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رجلًا من الأنصار أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  أن تعالَ فخُطَّ لي مسجدًا في داري أصلي فيه. وذلك بعدما عَمِي، فجاء ففعل(1).
(3) ما رواه الإمام البخاري: أن عتبان بن مالك- وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  ممن شهد بدرًا من الأنصار- أنه أتى رسول الله عز وجل  فقال: يا رسول الله قد أنكرتُ بصري وأنا أصلي لقومي؛ فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، ووددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلًّى. قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللهُ». قال عتبان: فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم  فأذنتُ له فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟» قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم  فكبَّر فقمنا فصَفَّنا فصلَّى ركعتين ثم سلم(2).
(4) الأحاديث الكثيرة التي بها الحث على صلاة النافلة في البيت ومنها:
أ- عن زيد بن ثابت رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْـمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْـمَكْتُوبَةَ»(3).
ب- عن عبد الله بن سعد رضي الله عنه  قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيهما أفضل؛ الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ قال: «أَلَا تَرَى إِلَى بَيْتِي مَا أَقْرَبَهُ مِنَ الْـمَسْجِدِ؟! فَلَأَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْـمَسْجِدِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً»(4).
ومعلوم أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم  فعلُ السنن والتطوع في البيت إلا لعارض، كما أن هديه كان فعل الفرائض في المسجد إلا لعارض من سفر أو مرض أو غيره مما يمنعه من المسجد(5).
(5) فعل السلف، فقد قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» شرحًا على باب المساجد في البيوت من الصحيح: «كان من عادة السلف أن يتخذوا في بيوتهم أماكن معدَّة للصلاة فيها»(6).
وقد روي عن كثير من السلف أنهم اتخذوا في بيوتهم مساجد، يخصِّصونها للذكر وصلاة النوافل وغير ذلك، ومن هذه الآثار:
(أ) ما رواه الإمام البخاري عن عائشة ل في قصة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم  وصاحبه الصديق أبي بكر رضي الله عنه  إلى المدينة، وفيه كلام عائشة عن أبي بكر الصديق أنه ابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن(7). وعليه فإنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه  هو أول من بنى مسجدًا في بيته.
(ب) قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : مَن سرَّه أن يلقى الله عز وجل  غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث يُنادَى بهنَّ، فإن الله عز وجل  شرع لنبيه صلى الله عليه وسلم  سنن الهدى، وإنهنَّ من سُنن الهدى، وإني لا أحسب منكم أحدًا إلا له مسجد يُصلي فيه في بيته، فلو صليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من عبد مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يمشي إلى صلاة إلا كتب الله عز وجل  له بكل خطوة يخطوها حسنةً، أو يرفع له بها درجة، أو يكفِّر عنه بها خطيئة، ولقد رأيتنا نقارب بين الخطا، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم نفاقه، ولقد رأيت الرجل يُهادَى بين الرجلين(8) حتى يُقام في الصف(9).
فقوله: «وإني لا أحسب منكم أحدًا إلا له مسجد يصلي فيه في بيته» دليل على شهرة هذا الأمر بين السلف، وهو دليل على انتشار مساجد البيوت في عهد السلف الصالح.
(جـ) وهذا عبد الله بن رواحة رضي الله عنه  أيضًا اتخذ مسجدًا في داره، كما روى ذلك ابن أبي شيبة في «المصنف»(10). وكان إذا دخل بيته صلى ركعتين، وإذا خرج صلى ركعتين، كما في الأثر الذي صححه الحافظ ابن حجر في «الإصابة»(11).
(د) وروى ابن أبي شيبة في «المصنَّف»: أن أبا مجلز : قد اتخذ مسجدًا في بيته، وربما صلى فيه بأهله وغلمانه جماعة(12).
(ر) وجويرية ل اتخذت مسجدًا في بيتها. كما روى الإمام مسلم في «صحيحه»(13).
(س) وزينب ل اتخذت مسجدًا في بيتها أيضًا، كما روى ذلك الإمام مسلم في «صحيحه» كذلك(14).
(ص) وهذا أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه  اتخذ في بيته مسجدًا، وأرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم  ليصلي فيه(15).
(ط) وهذه أم حميد ل أمَرت فبُني لها مسجدٌ في أقصى شيء من بيتها وأظلمِه، وكانت تصلي فيه حتى لقيت الله U(16).
(ع) وهذا عبد الله بن سلَام رضي الله عنه  كان له مسجد في بيته، وقد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم  (17).
(ف) وإبراهيم النخعي : كان له مسجد في بيته أيضًا.
فيظهر من ذلك اشتهار مساجد البيوت عند السلف؛ فقد بوَّب الإمام البخاري في «صحيحه»: «باب المساجد في البيوت، وصلى البراء بن عازب في مسجده في داره جماعة»، وكذا الإمام ابن ماجه: «باب المساجد في الدور».
أما عن هيئة هذا المسجد فإما أن يكون غرفة كاملة من البيت تُتَّخذ مسجدًا، أو يخصص موضع معين في إحدى نواحي غرفة من غرف البيت، وليس لمسجد البيت حكم المساجد العامة، فلا يسن للداخل إليه أن يصلي ركعتين تحية للمسجد، ولا يكون فيه اعتكاف، ويمكث فيه الحائض والجنب، ويدخله من أكل ثومًا أو بصلًا، ويجوز بيعه إذ بِيع البيت، فإن اتخاذ تلك البقعة مكانًا مخصَّصًا للصلاة في البيت لم تصيره وقفًا لله يحرم بيعه، ولكن يُستحب أن يصلي المسلم ركعتين عند الدخول إلى البيت وركعتين عند الخروج منه؛ لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «إِذَا خَرَجْتَ مِنْ مَنْزِلِكَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ يَمْنَعَانِكَ مِنْ مَخْرَجِ السُّوءِ، وَإِذَا دَخَلْتَ إِلَى مَنْزِلِكَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ يَمْنَعَانِكَ مِنْ مَدْخَلِ السُّوءِ»(18).
آثاره وفوائده:
1- تقوية الصلة بالله عز وجل  بكثرة العبادة والصلاة، وبإحياء هذه السنة المهجورة، فهذان أجران اثنان في فعل واحد.
2- تعليم الصلاة لأهل البيت، فيكون مسجد البيت معلمًا بارزًا في بيوت المسلمين، يوجههم إلى كل ما يقرب إلى الله؛ ففيه الصلاة مع الأهل، وفيه حفظ القرآن والسنة ومدارستهما في كل حين، وهذا من شأنه أن يقوِّي الروابط الأسرية، ويقيمها على أساس الكتاب والسنة. والله تعالى أعلى وأعلم.

ــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب «المساجد والجماعات» باب «المساجد في الدور» حديث (755)، وذكره الكناني في «مصباح الزجاجة» (1/96) وقال: «هذا إسناد صحيح رجاله ثقات»، وصححه الشيخ الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (762).
(2) سبق تخريجه في البيوت» حديث (425).
(3) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب «الأدب» باب «ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله» حديث (6113)، ومسلم في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» باب «استحباب صلاة النافلة في بيته» حديث (781).
([4]) أخرجه أحمد في «مسنده» (4/342) حديث (19029)، وابن ماجه في كتاب «إقامة الصلاة» باب «ما جاء في التطوع في البيت» حديث (1378)، وذكره الكناني في «مصباح الزجاجة» (2/9) وقال: «هذا إسناد صحيح رجاله ثقات».
(5) «زاد المعاد» (1/298).
(6) «فتح الباري» (2/377).
(7) أخرجه البخاري في كتاب «المناقب» باب «هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة» حديث (3906).
(8) أي: يمشي بينهما متكئًا عليهما يتمايل إليهما. انظر: «شرح النووي على صحيح مسلم» (4/142).
(9) سبق ذكره وتخريجه الهدى» حديث (654).
(10) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (7/130) حديث (34729) عن امرأة عبد الله بن رواحة: أن عبد الله بن رواحة كان له مسجدان: مسجد في بيته، ومسجد في داره. إذا أراد أن يخرج صلى في المسجد الذي في بيته، وإذا دخل صلى في المسجد الذي في داره، وكان حيثما أدركته الصلاة أناخَ.
(11) «الإصابة في تمييز الصحابة» (4/84).
(12) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (2/35) حديث (6154).
(13) أخرجه مسلم في كتاب «الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار» باب «التسبيح أول النهار وعند النوم» حديث (2729).
(14) أخرجه مسلم في كتاب «النكاح» باب «زواج زينب بنت جحش ل» حديث (1428).
(15) أخرجه الطبراني في «الكبير» (5/91) حديث (4679) من حديث أنس رضي الله عنه .
(16) أخرجه أحمد في «مسنده» (6/371) حديث (2709)، وابن خزيمة في «صحيحه» (3/95) حديث (1689)، وابن حبان في «صحيحه» (5/595) حديث (2217). وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (340).
(17) أخرجه البخاري في كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» باب «ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم  وحض على اتفاق أهل العلم» حديث (7342).
(18) أخرجه البزار في «مسنده» (2/444)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (3/124) حديث (3/124). وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (2/284) وقال: «رواه البزار ورجاله موثقون». وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة (1323).

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   02 الصلاة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend