علاج اليأس والقنوط

أنا مُبتلًى بالتشاؤم الشديد، ودائم التوقع للمكروه إلى حد اليأس والقنوط أحيانًا، مع العلم أنني قد قرأت عن التوكل على الله وعن توحيده ونحو ذلك، لكن الشيطان دائمًا يُوحي إلي بأن الله لن يحفظني مع أني أقوم بالمحافظة على الأوراد والصلوات ونحو ذلك، وسبب ذلك أن الشيطان يثير علي شبهات كثيرة في باب التوكل على الله والثقة به، فيقول لي حينما أنتهي من الأوراد مثلًا: ما الذي يثبت لك أن الله سيحفظك، فقد تصاب بالمكاره، ولن تكون أفضل من زكريا ويحيى عليهما السلام، فقد قتلهما قومهما وهما أبرُّ منك قلوبًا وأقرب إلى الله منك! ولن تكون أفضل من سعيد بن جبير أو من الحسين أو السلف الصالح الذين سُلط عليهم من يقتلهم أو يسومهم العذاب!

ثم بعد هذه الوساوس أجد نفسي ضعيفًا وقد تسلطت علي الوساوس وتوقُّع الشؤم في كل حين، ويُصيبني ضعفُ ثقة بوعد الله لي بسبب مثل هذه الشبهات.
ولقد بلغ السيل الزبد، أرجوكم حاولوا أن تردوا على هذه التساؤلات التي عندي حتى يندحر الشيطان الرجيم عني. وجزاكم اللهُ خيرا.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فينبغي على المسلم أن يُحسن الظن بربه(1)، وأن يحسن الظن بقضائه وقدره، وأن يوقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه(2)، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن اختيار الله للعبد أولى من اختيار العبد لنفسه، وأن الله أرحم بعباده من آبائهم وأمهاتهم، وأن ما جرى مع الحسين مثلًا كان خيرًا له؛ فقد سبقت له من الله الحسنى، وسبق في علم الله جل وعلا أن يكون مع أخيه الحسن سادة شباب أهل الجنة، ولم تكن له سابقة في زمن النبوة، فقد ترعرع في عز الإسلام وكان طفلًا فلم يشهد المشاهد مع رسول الله عز وجل ، فأصابه من البلاء ما يبلغ به الدرجة الرفيعة التي سبقت له من الله تعالى.
لابد إذن للمؤمن أن يوقن أن ما قضاه الله له فهو خير في جميع الأحوال، «إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ»(3)، وأن يبتعد ما استطاع عن القنوط من رحمة الله، فإنه لا يقنط من رحمة الله إلا الضالون(4)، ولا ييئس من رَوْحه إلا القوم الكافرون(5).
اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وأذهب عنك بجلالك وكبريائك نزغ الشيطان وفتنته. والله تعالى أعلى وأعلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ففي الحديث الذي أخرجه أحمد في «مسنده» (2/ 391) حديث (9065)، وابن حبان في «صحيحه» (2/ 405) حديث (639)، من حديث أبي هريرة t، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن الله عز وجل  قال: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي؛ إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ»، وذكره الألباني في «صحيح الجامع» حديث (4315).
(2) فقد أخرج أحمد في «مسنده» (5/189) حديث (21696)، وأبو داود في كتاب «السنة» باب «في القدر» حديث (4699)، وابن ماجه في «المقدمة» باب «في القدر» حديث (77)، وابن حبان في «صحيحه» (2/505- 506) حديث (727)، عن ابن الديلمي قال: أتيت أبيَّ بن كعب فقلت له: وقع في نفسي شيء من القدر فحدِّثني بشيء لعله أن يذهب من قلبي فقال: «إِنَّ اللهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ غَيْرَ ظَالِـمٍ لَـهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَـهُمْ مِنْ أَعْمَالِـهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ فِي سَبِيلِ الله مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ».
(3) أخرجه مسلم في كتاب «الزهد والرقائق» باب «المؤمن أمره كله خير» حديث (2999) من حديث صهيب بن سنان رضي الله عنه .
(4) قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: 56].
(5) قال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87].

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   14 متنوعات

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend