أنواع التصوير: الحلال منه والحرام

يوجد حديث: «المُصَوِّرنَ فِي النَّارِ»، فهل الصور حرام إذا كانت صورَ خطوبة أو صور حفلة عمل أو صورًا لمجموعة من الأصدقاء كتذكار لتلك المناسبات؟ أرجو الإفادة في الجزء المباح من الصور والجزء المكروه أو المحرم منها بالأحاديث الصحيحة، وجزاكم الله خير الجزاء على هذه الخدمة الطيبة التي تقدم للعامة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه و من والاه؛ أما بعد:
فإن التصوير أنواع:
• تصوير غير ذوات الأرواح، كالأشجار والأحجار ورحال الإبل والمصانع والمزارع ونحو ذلك، فلا حرج فيه؛ لما رواه البخاري ومسلم: أن رجلًا جاء إلى ابن عباسٍ، فقال: إني رجلٌ أصور هذه الصور، فأَفْتِني فيها. فقال له: ادْنُ مني. فدنا منه، ثم قال: ادنُ مني. فدنا حتى وضع يده على رأسه، قال: أنبئك بما سمعت من رسول الله ﷺ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا، فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ». وقال: إن كُنتَ لابد فاعلًا فاصنع الشجر وما لا نفس له. متفق عليه، واللفظ لمسلم(1).
• تصوير ذوات الأرواح المجسمة، والأصل فيه المنع، لا ينبغي أن يختلف في ذلك؛ لما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه  قال: قال رسول الله ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ»(2)؛ ولما رواه الترمذي عن ابن عباس ب قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً عَذَّبَهُ اللهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا- يعني الروح- وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ يَفِرُّونَ مِنْهُ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الْآنُكُ(3) يَوْمَ القِيَامَةِ»»(4)، لا يستثنى من ذلك إلا لُعَب الأطفال، فقد كانت أُمُّنا عائشة ل تلعب ببنات لها- لُعب(5). وكان الصحابة يصنعون عرائس من العهن(6) ليتلهى بها الأطفال عن طلب الطعام(7).
• تصوير ذوات الأرواح باليد تصويرًا غير مجسم، وجمهور أهل العلم(8) على منعه، لدخوله في عموم التصوير الذي يضاهى به خلق الله، ومن العلماء من رخَّص فيه(9)، والصحيح قول الجمهور.
• حبس الظل، وهو التصوير بالكاميرا أو الفيديو، وهو مختلف فيه بين أهل العلم ما بين مانع ومجيز، والظاهر أن أخذ الصورة بآلة التصوير الذي هو عبارة عن حبس الظل بالوسائط المعلومة لأرباب هذه الصناعة ليس من التصوير المنهي عنه في شيء؛ إذ ليس فيه مضاهاة لخلق الله، بل هو تصوير عين ما خلق الله، فإن التصوير المنهي عنه هو إيجاد صورة لم تكن موجودة ولا مصنوعة من قبل، يضاهي بها حيوانًا خلقه الله تعالى، وليس هذا المعنى موجودًا في أخذ الصورة بتلك الآلة؛ ولهذا فإن القول بالجواز في ذلك قول متوجه، ما لم يعرض فيه ما يحرمه، كأن تكون الصورة لامرأة متبرجة أو لقصد التعظيم، ويتأكد القول بالجواز إذا تعلقت بذلك مصلحة شرعية كما لو كانت الصورة لغاية أمنية أو لغرض تعليمي أو دعوي، كاستخراج بطاقة هوية أو تصوير المجرمين الخطرين المطلوبين للقضاء، أو تصوير مجالس العلم ونحو ذلك، أما إذا لم تتعلق به مصلحة فالأولى تركه؛ خروجًا من الخلاف، وبعدًا عن الشبهة.
• ولا ينبغي تعليق هذه الصور التي قيل بجوازها خروجًا من الخلاف وتنزهًا من الشبهة، ما لم تتعلق بتعليقها مصلحة كما لو كان ذلك في المجال التعليمي أو الأمني ونحوه. والله تعالى أعلى وأعلم.

_________________

(1) الآنُك بالمد وضم النون: أي الرصاص المذاب. «فتح الباري» (12/429).

(2) أخرجه الترمذي في كتاب «اللباس» باب «ما جاء في المصورين» حديث (1751)، وقال: «حديث حسن صحيح».

(3) ففي الحديث الذي أخرجه أبو داود في كتاب «الأدب» باب «في اللعب بالبنات» حديث (4932) من حديث عائشة ل قالت: قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها (مكان مجوف في الحائط) سترٌ، فهبَّت ريحٌ فكشفت ناحية السِّتر عن بناتٍ لعائشة- أي: لُعبٍ- فقال: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟» قالت: بناتي. ورأى بينهنَّ فرسًا له جناحان من رقاعٍ فقال: «مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسَطَهُنَّ؟» قالت: فرسٌ. قال: «وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ؟» قالت: جناحان. قال: «فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ؟!» قالت: أما سمعت أنَّ لسليمان خيلًا لها أجنحةٌ! قالت: فضحك حتَّى رأيت نواجذه. وذكره الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (4932).

(4) أي: الصوف.

(5) ففي الحديث المتفق عليه؛ الذي أخرجه البخاري في كتاب «الصوم» باب «صوم الصبيان» حديث (1960)، ومسلم في كتاب «الصيام» باب «من أكل في عاشوراء فليكف بقية يومه» حديث (1136)، من حديث الرُّبَيِّع بنت مُعوِّذ ل قالت: أرسَلَ النبيُّ ﷺ غداةَ عاشوراء إلى قرى الأمصار: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيَصُمْ». قالت: فكنا نصوم بعد، ونصوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العِهْن، فإذا بكى أحدُهم على الطعام أعطيناهم اللعبة تُلهيهم حتى يُتِمُّوا صومهم.

(6) جاء في «حاشية ابن عابدين» (1/647-650): «(قوله ولبس ثوب فيه تماثيل) عدل عن قول غيره تصاوير لما في المغرب: الصورة عام في ذي الروح وغيره، والتمثال خاص بمثال ذي الروح ويأتي أن غير ذي الروح لا يكره قال القهستاني: وفيه إشعار بأنه لا تكره صورة الرأس، وفيه خلاف كما في اتخاذها كذا في المحيط، قال في البحر: وفي الخلاصة وتكره التصاوير على الثوب صلى فيه أو لا انتهى، وهذه الكراهة تحريمية. وظاهر كلام النووي في شرح مسلم الإجماع على تحريم تصوير الحيوان، وقال: وسواء صنعه لما يمتهن أو لغيره، فصنعته حرام بكل حال لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء كان في ثوب أو بساط أو درهم وإناء وحائط وغيرها ا هـ. فينبغي أن يكون حراما لا مكروها إن ثبت الإجماع أو قطعية الدليل بتواتره ا هـ كلام البحر ملخصا. وظاهر قوله فينبغي الاعتراض على الخلاصة في تسميته مكروها».
وجاء في «أسنى المطالب» (3/226): «(فرع ويحرم التصوير) للحيوان (ولو في أرض وثوب وإن تسومح بدوس مصور) إن اتفق تصوير لأنه صلى الله عليه وسلم لعن المصورين. رواه البخاري، واستثنى لعب البنات لأن عائشة كانت تلعب بها عنده صلى الله عليه وسلم رواه مسلم وحكمته تدريبهن أمر التربية (ولا أجرة له) أي للتصوير المحرم لأن المحرم لا يقابل بأجرة».
وجاء في «الإنصاف» (1/474): «يحرم تصوير ما فيه روح. ولا يحرم تصوير الشجر ونحوه. والتمثال مما لا يشابه ما فيه روح، على الصحيح من المذهب. وأطلق بعضهم تحريم التصوير، وهو من المفردات. وقال في الوجيز: ويحرم التصوير، واستعماله».

(7) جاء في «حاشية العدوي» (2/460): «(وتكره التماثيل) أي عملها وهي الصور التي تصنع على هيئة الحيوان أو الأشجار (في الأسرة) بكسر المهملة جمع سرير وهو معلوم (و) في (القباب) جمع قبة وهي ما يجعل من الثياب على الهودج مثلا. (و) في (الجدران) بضم الجيم جمع جدر بفتح الجيم وسكون الدال الحائط. (و) في (الخاتم) بفتح التاء وكسرها (ولبس الرقم) أي التصوير (في الثوب من ذلك) أي التماثيل المكروهة؛ لأنه يمتهن (وتركه) أي الرقم في الثوب وفي نسخة وغيره (أحسن) مراعاة لمن يقول بتحريمه».

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   14 متنوعات

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend