شيخنا الفاضل: بارك الله في جهودكم ورزقكم سعادة الدارين، آمين.
السؤال: الشعب الكندي مُقبل على انتخابات فيديرالية يختارُ فيها حكومةً جديدة، والحكومة الحالية يرأسها حزبُ المحافظين المعروف عندنا بدعمه المطلق لدولة إسرائيل، وكذلك استغلاله السيِّئ لحوادث الإرهاب لتمرير قوانين قد تُستعمل مستقبلا للتضييق على الحريات وعلى المسلمين خاصةً، ومؤخرًا بدأ هذا الحزب تخويفَ المجتمع الكندي من النقاب رغم أن النساءَ اللاتي تلبسن النقاب عددهن قليل، ولكنه التوظيف والاستغلال والسفسطة الانتخابية.
الحزبان الآخران اللذان ينافسان هذا الحزب أكثرُ اعتدالًا بالنسبة للمسائل التي ذكرت سابقًا ولكنهما أكثرُ حماسا لحقوق الشواذ وأكثرُ انفتاحًا على مجموعات الشذوذ والرذيلة.
المشكلة أن انتصار حزب المحافظين قد يدفعه إلى مزيد من التغوُّل ونشر الكراهية ضدَّ المسلمين بطرق غيرِ مباشرة، فهل يجوز التغاضي عن طبيعة الحزبين الآخرين والتصويت لأحدهما؟ خاصةً أن أحد الحزبين وعَد بإلغاء القوانين التي فيها تضييق على الحريات. أفتونا جزاكم الله خيرًا.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن المشاركة السياسيَّة خارجَ ديار الإسلام من مسائل السياسة الشرعية التي تدورُ في فلك الموازنة بين المصالح والمفاسد، وتتقَرَّر شرعيَّتُها في ضوء غلبة المصالح على المفاسد، وتختلف فيها الفتوى باختلاف الزمان والمكان والأحوال، وقد صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي بربطة العالم الإسلامي في باب المشاركة السياسية، نسوقه بنصه تتميمًا للفائدة:
((الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده ؛ نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أما بعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته التاسعة عشرة المنعقدة بمقرِّ رابطة العالم الإسلامي بمكَّةَ المكرمة في الفترة من 22-27 شوال 1428هـ؛ التي يوافقها3-8 نوفمبر 2007م قد نظر في موضوع: «مشاركة المسلم في الانتخابات مع غير المسلمين في البلاد غير الإسلامية» وهو من الموضوعات التي جرى تأجيلُ البتِّ فيها في الدورة السادسة عشرة المنعقدة في الفترة من 21-26 شوال 1422هـ لاستكمال النظر فيها.
وبعد الاستماع إلى ما عُرض من أبحاث، وما جرى حولها من مناقشات، ومداولات، قرَّر المجلسُ ما يلي:
- مشاركة المسلم في الانتخابات مع غيرِ المسلمين في البلاد غيرِ الإسلامية من مسائل السياسة الشرعية التي يتقرَّر الحكمُ فيها في ضوء الموازنة بين المصالح والمفاسد، والفتوى فيها تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال.
- يجوز للمسلم الذي يتمتع بحقوقِ المواطنة في بلدٍ غيرِ مسلم المشاركةُ في الانتخابات النيابية ونحوها؛ لغلبة ما تعود به مشاركته من المصالح الراجحة، مثل تقديم الصورة الصحيحة عن الإسلام، والدفاع عن قضايا المسلمين في بلدِه، وتحصيل مكتسبات الأقليَّات الدينية والدنيوية، وتعزيز دورهم في مواقع التأثير، والتعاون مع أهل الاعتدال والإنصاف لتحقيق التعاونِ القائم على الحقِّ والعدل، وذلك وفق الضوابط الآتية:
أولًا: أن يقصد المشاركُ من المسلمين بمشاركته الإسهامَ في تحصيل مصالح المسلمين، ودرءِ المفاسد والأضرار عنهم.
ثانيًا: أن يغلب على ظنِّ المشاركين من المسلمين أن مشاركتهم تُفضي إلى آثار إيجابية، تعود بالفائدة على المسلمين في هذه البلاد؛ من تعزيز مركزهم، وإيصال مطالبهم إلى أصحاب القرار، ومديري دفَّةِ الحكم، والحفاظ على مصالحهم الدينية والدنيوية.
ثالثًا: ألا يترتب على مشاركة المسلم في هذه الانتخابات ما يؤدي إلى تفريطه في دينه.
والله ولي التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه». انتهى.
أما عن الموازنة بين دعمِ المحافظين الذين عُرِفُوا بعدائهم للجاليات الإسلامية وإجحافهم بحقوقها والتضييق عليهم، ودَعمِ غيرِهم ممن يُعرفون بتعاطُفِهم مع الجاليات الإسلامية، ولكنهم أكثرُ حماسًا لحقوق الشواذِّ وأكثرُ انفتاحًا على مجموعات الشذوذ والرذيلة. فالذي يظهر أن مصلحةَ الجاليات الإسلامية التي تتمثل في رعاية حقوقِها وتمكينها من إظهار دينها وعدم فتنتها أو التضييق عليها فيه هي معيار الترجيح، فأيُّ الحزبين كان أرعى لهذه الحقوق، وأكثر تسامحًا معها وتسامحًا مع أهلها كان أولى بالدعم والمؤازرة، وعليهم ما حُمِّلُوا فيما وراء ذلك.
وهذه الموبقات ليست بأفحش من الشركِ بالله الذي يتعصب له الفريق الأول، مع بقاء إنكارنا على الشرك وعلى ما دونه. والله تعالى أعلى وأعلم.