رد السِّباب لمعرفة وقوع إثمه على البادئ به

هل لو شخص شتمني وأنا رددت عليه نفس الشتيمة، هو الذي عليه الإثم ليس أنا؛ لأن الحديث قال فيه الرسول ﷺ: (على المستبَّان ما قالا) أم ماذا؟ وجزاكم الله خيرًا.

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه و من والاه؛ أما بعد:
فننصحك يا عبد الله أن تأخذ العفو وأن تأمر بالعُرْف وأن تُعرِض عن الجاهلين، وذلك بأن تعفو عمن ظلمك، وأن تصل من قطعك، وأن تحسن إلى من أساء إليك، فقد قال ربك جل وعلا: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199] كما نذكرك بقول الله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ [فصلت: 34]، وبقول النبي ﷺ: «لَيْسَ الْـمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ»(1).
وفي البخاري عن أبي ذر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ»(2).
أما ما ذكرته من الحديث فهو في «صحيح مسلم» وهو قوله: «الْـمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَـمْ يَعْتَدِ الْـمَظْلُومُ»(3). والمعنى كما ذكر النووي :(4): أن المستبين إذا تسابَّا وتشاتما بكلام سيئ فإن إثم ما قالا على البادي منهما ما لم يعتدِ المظلوم، فإن اعتدى صار عليه الإثم، وفي هذا دليل على أنه يجوز للإنسان أن يسبَّ صاحبه بمثل ما سبَّه به ولا يتعدَّى.
ولهذا لما قال النبي ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ». قيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ»(5). فدل هذا على أن الإنسان إذا كان سببًا للشر فإنه يناله من شره ما قال، فعلى البادئ منه ما لم يعتدِ المظلوم، فإن اعتدى فعليه، وإن أخذ بحقه بدون زيادة فليس عليه شيء، ولكنا نؤكِّد على ما بدأنا به من أن تعفو عمن ظلمك، وأن تحسن إلى من أساء إليك. والله تعالى أعلى وأعلم.

______________

(1) أخرجه أحمد في «مسنده» (1/404) حديث (3839)، والترمذي في كتاب «البر والصلة» باب «ما جاء في اللعنة» حديث (1977)، والحاكم في «مستدركه» (1/57) حديث (29)، وابن حبان في «صحيحه» (1/421) حديث (192). وقال الترمذي: «حديث حسن»، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين فقد احتجا بهؤلاء الرواة عن آخرهم ثم لم يخرجاه».

(2) أخرجه البخاري في كتاب «الأدب» باب «ما ينهى من السباب واللعن» حديث (6045).

(3) أخرجه مسلم في كتاب «البر والصلة والآداب» باب «النهي عن السباب» حديث (2587)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه .

(4) «شرح النووي على صحيح مسلم» (8/398).

(5) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب «الأدب» باب «لا يسب الرجل والديه» حديث (5973)، ومسلم في كتاب «الإيمان» باب «بيان الكبائر وأكبرها» حديث (90) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه .

تاريخ النشر : 26 ديسمبر, 2017
التصنيفات الموضوعية:   07 آداب وأخلاق

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend