أنا طبيب عامٌّ مقيم في فرنسا، أعمل في مكتب خاص وأغلق الباب. فما حكم هذه الخلوة بنساء جِئن يطلبن التداوي؟ فكرت أن أستقيل أو أغيِّر مكان عملي ولكن الإشكالية ستطرح من جديد. جزاكم الله كل خير.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فينبغي السعيُ لإنهاء هذه الخلوة من خلال وجودِ ممرضة أو مُرافق للمرأة، سواء كانت امرأة مثلها، أو كان صبيًّا مميزًا، ونحوه.
وضابط الخلوة عند الفقهاء هي كلُّ اجتماع لا تؤمن معه الريبة عادةً، وقد جاء في «حاشية ابن عابدين»: ((والذي تحصَّل من هذا أن الخلوة المحرمة تنتفي بالحائل، وبوجود مَحرم أو امرأةٍ ثقة قادرة))(1).
وقد روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : ( أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ دَخَلُوا عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ – وَهِيَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ – فَرَآهُمْ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : لَمْ أَرَ إِلَّا خَيْرًا .فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَرَّأَهَا مِنْ ذَلِكَ . ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ : لَا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا عَلَى مُغِيبَةٍ إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوْ اثْنَانِ) وقد بوب عليه الإمام النووي رحمه الله بقوله : باب تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية والدخول عليها، فتنتفي الخلوة عند الحاجة بوجود رجل آخر أو امرأة أخرى
وذكر النووي رحمه الله أن الصبيَّ الذي لا يُستحيى منه لصغره لا تنتفي به الخلوة. وقد مثل له بابن سنتين وثلاثٍ، فقال رحمه الله عند شرحه لحديث: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ»(2): ((وأما إذا خلا الأجنبي بالأجنبية من غير ثالثٍ معهما فهو حرامٌ باتفاق العلماء، وكذا لو كان معهما من لا يُستحيى منه لصغرِه كابن سنتين وثلاث ونحو ذلك، فإن وجوده كالعدم))(3).
ويمكن الإيعاز إلى إحدى الممرضات بالوجود أثناء الكشف، فإن عجزت وانعدمت البدائل فلا تغلق باب الحجرة، واتق الله ما استطعت. والله تعالى أعلى وأعلم.
______________
(1) «حاشية ابن عابدين» (6/367-369).
(2) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الجهاد والسير» باب «من اكتتب في جيش فخرجت امرأته حاجة» حديث (3006)، ومسلم في كتاب «الحج» باب «سفر المرأة مع محرم» حديث (1341) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(3) «شرح النووي على صحيح مسلم» (9/109).