ملاقاة الرطب لمتنجسٍ جافٍّ قد زالت عنه عين النجاسة

هل تنتقل النجاسةُ الجافة على السجاد بسبب المرور عليها بالأقدام المبتلة بالماء الطهور؟ حيث إنني لديَّ- والحمد لله- ابنٌ متعدد الإعاقة له ثمان سنين الآن، وأحيانًا لا يتحكم في البول؛ ولذلك فالبول أو بلل البول على ثوبه يصيب أرضَ الشقة، فكنَّا نطهر الأسطح الملساء مثل البورسيلين والباركيه بالمسح وصب ماء على الموضع، ثم مسحه، ثم صب الماء مرةً أخرى ثم مسحه. وبالنسبة للسجاد فكنت أُعطيه البواب يغسله.
ولكن حدث أمرٌ ولذلك أستفتي، وهو أن العمارة منعت البواب من غسل السجاد للسكان، فوقع منَّا التساهل في تطهيرها، وصرنا إذا أصاب بول الولد السجادَ أو جلس عليه وسراويله مبللة بشيء من بوله نترك هذا الموضع ولا نغسله، وإذا أصاب الأرض الملساء نكتفي بمسحِه أو نتركه وسرعان ما يتبخر، وذلك عندما يكون يسيرًا جدًّا، ثم بعد مدة يتم مسح الأرضية الملساء كلها بخرقة نظيفة مبللة بللًا خفيفًا.
والمشكلة أننا نخرج من الحمام- أعزكم الله- تكون أرجلنا مبللة بالماء بعد الوضوء مثلًا، ثم نسير بأرجلنا المبتلة على مواضع كانت فيها نجاسة في السجاد وتركناها وجفَّت، أو نسير على أرضيات ملساء قد فعلنا فيها ما سبق.
فما حكم باقي أرضيات الشقة؟ هل انتقلت لها النجاسة بسبب ذلك؟ مع العلم أنني لا أستطيع الجزمَ بأن البلل الذي نسير به على هذه المواضع قد تغيَّر ريحه أو طعمه بتلك النجاسات الجافة على السجاد، أما لونه فأكيد طبعًا لم يتغير.
وما حكم صلاتنا طوال هذه الأشهر الماضية؟ هل تنجست أرجلُنا المبللة عندما سرنا على هذه المواضع؟ مع العلم أننا نفرش شيئًا نصلي عليه ولكن أيضًا من الوارد أننا نقف عليه بعدما نكون قد سرنا بأرجلنا المبللة على تلك المواضع؟
ملحوظة: سأذهب- إن شاء الله- بالسجاد لأحد المحلات لغسله.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فهذه المسألة من مسائل النظر عند أهل العلم، فالمالكية والحنفية على أن ملاقاة الرطب لمتنجس جافٍّ قد زالت عنه عين النجاسة لا تُنجسه؛ ففي «مختصر خليل»: ((إن زال عينُ النجاسة بغير المطلق لم يتنجس ملاقي محلها))(1). انتهى.
قال الشيخ الدردير في «شرحه على مختصر خليل»: (((ولو زال عين النجاسة) عن المحل (بغير المطلق) من مضاف، وبقي بلله فلاقى جافًّا أو جفَّ ولاقى مبلولًا (لم يتنجس ملاقي محلها) على المذهب إذ لم يبق إلا الحكم وهو لا ينتقل))(2). اهـ.
وقال في «شرحه الصغير»: ((وقوله (زال عينُ النجاسة بغيرِ مطلقٍ لم ينجس ملاقي محلها) إذا زالت عينُ النجاسة بغير الماء مطلق بأن زالت بماء مضاف أو ماء ورد ونحوه، ثم لاقى محل النجاسة وهو مبلول محلًّا طاهرًا من ثوب أو بدن أو غيرهما، أو جفَّ محل النجاسة ولاقى محلًّا مبلولًا، لم ينجس ملاقي محل النجاسة في الصورتين، لأنه لم يبق إلا الحكم، والحكم لا ينتقل))(3). انتهى.
وفي «مجمع الأنهر» على الفقه الحنفي: ((كما لو وضع الثوب حالَ كونه رطبًا على مطين بطين نجس جافٍّ- بتشديد الفاء من جفَّ- لأن الجفافَ يجذب رطوبةَ الثوب فلا يتنجس، وأما إذا كان رطبًا فيتنجس))(4). انتهى.
ويفرِّق الحنابلة بين الرطوبة والبلل، فلا ينجس الشيء الرطب الذي لا بلل به إذا لاقى متنجسًا جافًّا، وينجس إذا لاقاه وبه بلل.
ففي «كشاف القناع مع متن الإقناع» للبهوتي: ((فلو قطع به، أي السيف المتنجس ونحوه، بعد مسحه قبل غسله، مما فيه بلل كبطيخ ونحوه- نجَّسه لملاقاة البلل للنجاسة، فإن كان ما قطعه به رطبًا لا بلل فيه كجبن ونحوه، فلا بأس، كما لو قطع به يابسًا؛ لعدم تعدي النجاسة إليه))(5). انتهى.
أما الشافعية فإنهم يرون نجاسةَ الطاهر الرطب إذا لاقى متنجسًا جافًّا.
ففي «تحفة المحتاج» لابن حجر الهيتمي أثناء كلامه على لبس الثوب المتنجس: ((ويُستثنى من ذلك ما لو كان الوقت صائفًا، بحيث يعرَق فيتنجس بدنُه ويحتاج إلى غسلِه للصلاة مع تعذُّر الماء))(6). انتهى.
والخلاصة: أن الجمهور على عدمِ انتقال النجاسة في الصورة المذكورة، وخالف الشافعية فقالوا بانتقالها، ففي الأمر سعة، والخروج من الخلاف مندوبٌ إليه.
وقد أحسنت إذا قلت: ((سأذهب- إن شاء الله- بالسجاد لأحدِ المحلات لغسله)). فهذا أبرأُ للذمة، وأحوطُ للدين.
رزقك الله ثواب الصابرين، ومسح على ولدك بيمينه الشافية، وجمع لكم جميعًا بين الأجر والعافية. والله تعالى أعلى وأعلم.

________________________
(1) «التاج والإكليل» (1/238-239).
(2) «شرح مختصر خليل للخرشي» (1/115-116).
(3) «حاشية الصاوي» (1/85).
(4) «مجمع الأنهر» (1/63-64).
(5) «كشاف القناع» (1/184-185).
(6) «تحفة المحتاج» (3/30-31).

تاريخ النشر : 28 يناير, 2026
التصنيفات الموضوعية:   01 الطهارة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend