فُوجئت بمن يقول: إنه ليس من السنة دخولُ المساجد باليُمنى والخروج منها باليسرى. وقد تعودنا على هذا منذ الصغر. فما حقيقة الأمر في هذا القول؟ أفتونا مأجورين.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن من السُّنة دخول المساجد باليمنى، وقد عنون البخاري في «صحيحه» فقال: ((باب التيمُّن في دخول المسجد وغيره، وكان ابنُ عمر يبدأ برجلِه اليمنى، فإذا خرج بدأ برجله اليسرى)). ثم قال: حدثنا سليمان بن حرب، ثنا شعبة، عن الأشعث بن سليم، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيمُّن ما استطاع في شأنه كله، في طهوره، وترجله، وتنعله(1).
وفي الباب قول أنس ابن مالك رضي الله عنه: من السنة إذا دخلتَ المسجد أن تبدأ برجلِك اليمنى وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى(2).
قال الألباني رحمه الله في «الثمر المستطاب»:
(( 5- أن يبتدئ دخولَه بالرجل اليمنى؛ فإن ذلك من السنة كما قال أنس ابن مالك رضي الله عنه: «من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى» أخرجه الحاكم، ومن طريقه البيهقي؛ عن شداد أبي طلحة قال: سمعت معاوية بن قرة يحدث عنه به واختلفا فيه، فقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم، فقد احتج بشداد بن سعيد أبي طلحة الراسبي» ووافقه الذهبي، وخالفه تلميذه البيهقي فقال: «تفرد به شدادُ بن سعيد أبو طلحة الراسبي وليس بالقوي»، والحق ما قاله الحاكم أنه على شرط مسلم، لكن الراسبي هذا متكلم فيه، فينزل حديثه عن رتبة الصحيح إلى منزلة الحسن، فقد قال فيه الذهبي: «إنه صالح الحديث». وقال الحافظ في «التقريب»: «إنه صدوق يخطئ». وأورد حديثه هذا في «الفتح» (1 /415) ولم يضعفه، فالحديث حسن، وله شاهد موقوف فقال البخاري: «باب التيمن في دخول المسجد وغيره: وكان ابن عمر يبدأ برجله اليمنى فإذا خرج بدأ برجله اليسرى». هكذا أخرجه تعليقًا. وقال الحافظ: «ولم أره موصولًا». والقسم الأول منه يؤيده عمومُ حديث عائشة رضي الله عنه قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبُّ التيمن ما استطاع في شأنه كله؛ في طهوره وترجله وتنعله». أخرجه البخاري (1 /216 و415 ) ومسلم (1 /155- 156). وقد احتج به البخاري في هذا الباب. وقال الحافظ بعد أن ساق حديث أنس السابق: «والصحيح أن قول الصحابي: من السنة كذا.. محمول على الرفع، لكن لما لم يكن حديث أنس على شرط المصنف أشار إليه بأثر ابن عمر. وعموم حديث عائشة يدلُّ على البداءة باليمين في الخروج من المسجد أيضًا، ويحتمل أن يقال: في قولها: ما استطاع احترازًا عما لا يستطاع فيه التيمن شرعًا، كدخول الخلاء والخروج من المسجد، وكذا تعاطي الأشياء المستقذرة باليمين كالاستنجاء والتمخُّط، وعلمت عائشة رضي الله عنه حبه صلى الله عليه وسلم لما ذكرت إما بإخباره لها بذلك وإما بالقرائن))(3). والله تعالى أعلى وأعلم.
__________________
(1) أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «التيمن في دخول المسجد وغيره» حديث (416) من حديث رضي الله عنه.
(2) أخرجه الحاكم في «مستدركه» (1/338) حديث (791). وقال الحاكم: «حديث صحيح على شرط مسلم».
(3) الثمر المستطاب: ص603.