إخراجُ زكاة المال من أجلِ ترميم المساجد في أمريكا

هل يجوز إخراجُ زكاة المال أو بعضٌ منه من أجلِ ترميم المساجد في أمريكا؟ وهل يدخل هذا في مصرف: وفي سبيل الله؟ مشكورين.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن لزكاة المال مصارف محددة ورَدَ ذكرُها في سورة التوبة في قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 60].
وقد وقع خلافٌ في المراد بمَصرف في سبيل الله هل هو خاصٌّ بالغزاة المتطوعين؟ أم يشمل فيما يشمل أعمالَ الدعوة إلى الله عز وجل؟والظاهر أنه يشمل أعمال الدعوة إلى الله تعالى وما يعين عليها باعتبارها نوعًا من أنواع الجهاد بالكلمة كما قال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 52].
وذلك وفقًا لقرار المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي؛ فقد نصَّ في هذا الصدد على ما يلي:
1- نظرًا إلى أن القول الثاني قد قال به طائفة من علماء المسلمين، وأن له حظًّا من النظر في بعض الآيات الكريمة مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 262].
ومن الأحاديث الشريفة مثل ما جاء في «سنن أبي داود» أن رجلًا جعل ناقةً في سبيل الله فأرادت امرأته الحج فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «ارْكَبِيهَا؛ فَإِنَّ الْـحَجَّ فِي سَبِيلِ الله»(1).
2- ونظرًا إلى أن القصدَ من الجهاد بالسلاح هو إعلاءُ كلمة الله تعالى، وأن إعلاءَ كلمة الله تعالى كما يكون بالقتال يكون-أيضًا- بالدعوة إلى الله تعالى ونشر دينه بإعداد الدعاة ودعمهم ومساعدتهم على أداء مهمتهم، فيكون كِلَا الأمرين جهادًا؛ لما روى الإمام أحمد والنسائي وصححه الحاكم، عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جَاهِدُوا الـمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ»(2).
3- ونظرًا إلى أن الإسلام محاربٌ بالغزو الفكري والعقدي من الملاحدة واليهود والنصارى وسائرِ أعداء الدين، وأن لهؤلاء من يدعمهم الدعمَ الماديَّ والمعنويَّ، فإنه يتعين على المسلمين أن يقابلوهم بمثل السلاح الذي يغزون به الإسلام وبما هو أنكى منه.
4- ونظرًا إلى أن الحروبَ في البلاد الإسلامية أصبحَ لها وزارات خاصة بها، ولها بنود مالية في ميزانية كلِّ دولة، بخلاف الجهاد بالدعوة، فإنه لا يوجد له في ميزانيات غالب الدول مساعدةٌ ولا عون.
لذلك كله فإن المجلس يقرر- بالأكثرية المطلقة- دخولَ الدعوة إلى الله تعالى وما يعين عليها ويدعم أعمالها في معنى «وفِي سَبِيلِ الله» في الآية الكريمة. انتهى.
ولما كانت المساجد من الوسائل التي تُعين على الدعوة أمكنَ دخولُها في هذا الباب عند الحاجة، فالأصل أن تغطى مصروفات المساجد من الصدقات العامة، فإن ضاقت الصدقاتُ العامة بذلك، ولم تغطِّ هذه النفقات، وخشي تعطل المساجد وخرابها- جاز تغطيةُ بقية حاجاتها من الزكوات.
وجاء في قرار لمجمع فقهاء الشريعة بامريكا حول الإنفاق على بناء المسجد أو زخرفته أو تشغيله من أموال الزكاة ما يلي:
(• اختلف أهل العلم في المراد بمصرف في سبيل الله من مصارف الزكاة ما بين موسع ومضيق ومتوسط، والأحوط الاقتصار على صدقات التطوع في بناء المسجد، وألا تستعمل أموال الزكاة المفروضة فيه إلا للضرورة.
• يشرع صرف الزكاة لأعمال الدعوة إلى الله تعالى، وما يعين عليها ويدعم أعمالها، لدخولها في معنى (وفِي سَبِيلِ الله) الوارد في آية مصارف الزكاة، وبه صدر قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي.
• يشمل مصرف الغارمين الديون التي تكون على المساجد، فيمكن قضاؤها من أموال الزكاة، أما الديون المقسطة التي تحملها المسجد لشراء أرضه أو بنائها فلا يدفع منها من أموال الزكاة إلا ما حل من أقساطها.
• لا يجوز زخرفة المساجد من أموال الزكوات، ولا حرج في الإنفاق عليها من أموال صدقات التبرع العامة إذا لم تبلغ مبلغ الإسراف أو شغل المصلين، أو مما خصص لهذا الغرض من قبل المتبرعين.
حكم استثمار فضول أموال المساجد ) والله تعالى أعلى وأعلم.

__________________
(1) أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك» باب «العمرة» حديث (1989) من حديث أم معقل رضي الله عنها، قالت: لما حجَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وكان لنا جمل، فجعله أبو معقل في سبيل الله، وأصابنا مرض وهلك أبو معقل وخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ من حجه جئته فقال: «يَا أُمَّ معقل ما منعك أن تخرجي معنا؟»، قالت: لقد تهيأنا فهلك أبو معقل، وكان لنا جمل هو الذي نحج عليه فأوصى به أبو معقل في سبيل الله، قال: «فهَلَّا خرجت عليه، فإن الحجَّ في سبيل الله».
(2) أخرجه أحمد في «مسنده» (3/ 124) حديث (12268)، وأبو داود في كتاب «الجهاد» باب «كراهية ترك الغزو» حديث (2504)، والنسائي في كتاب «الجهاد» باب «وجوب الجهاد» حديث (3096)، والحاكم في «مستدركه» (2/ 91) حديث (2427). وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه».

تاريخ النشر : 24 مارس, 2026

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend