هل صح في السنة استحبابُ التيامن عند دخول المساجد وعند الخروج من الخلاء؟ واستحباب التياسر عند الخروج من المساجد وعند دخول الخلاء؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن القاعدة الشرعية التي دلَّ عليها كثيرٌ من النصوص: استحباب تقديم اليمين فيما كان من باب التكريم، وتقديم اليسار فيما كان بضد ذلك.
روى أبو داود، عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجعل يمينَه لطعامِه وشرابِه وثيابِه ويجعل شماله لما سوى ذلك(1).
قال النووي رحمه الله في «شرح صحيح مسلم»: ((هذه قاعدة مستمرة في الشرع، وهي إن ما كان من باب التكريم والتشريف كلُبس الثوب والسراويل والخُف ودخول المسجد والسواك والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، وترجيل الشعر وهو مشطه، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء، والأكل والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك مما هو في معناه- يستحب التيامُن فيه. وأما ما كان بضدِّه كدخول الخلاء والخروج من المسجد والامتخاط والاستنجاء وخلع الثوب والسراويل والخف وما أشبه ذلك، فيستحب التياسر فيه، وذلك كلُّه بكرامة اليمين وشرفها))(2). انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((وقد استقرت قواعد الشريعة على أن الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليُسرى تُقدَّم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة كالوضوء والغسل والابتداء بالشق الأيمن في السواك ونتف الإبط، وكاللباس والانتعال والترجُّل ودخول المسجد والمنزل والخروج من الخلاء ونحو ذلك. وتقدم اليُسرى في ضد ذلك كدخول الخلاء وخلع النعل والخروج من المسجد. والذي يختص بأحدهما إن كان من باب الكرامة كان باليمين كالأكل والشرب والمصافحة ومناولة الكتب وتناولها ونحو ذلك، وإن كان ضد ذلك كان باليسرى كالاستجمار ومس الذكر والاستنثار والامتخاط ونحو ذلك))(3).
وقال الشوكاني رحمه الله: ((وأما تقديم اليسرى دخولًا واليمنى خروجًا- يعني: من الخلاء- فله وجه؛ لكون التيامن فيما هو شريف، والتياسر فيما هو غير شريف، وقد ورد ما يدل عليه في الجملة))(4).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ((يستحبُّ أن يُقدِّمَ رجلَه اليُسرى عند دخول الخلاء، ويُقدِّمَ اليُمنى إِذا خرج، وهذه مسألة قياسيَّة، فاليمنى تُقَدَّم عند دخول المسجد كما جاءت السُّنَّة بذلك، واليسرى عند الخروج منه، وهذا عكس المسجد… فإِذا كانت اليُمنى تُقدَّم في باب التَّكريم، واليُسرى تُقدَّم في عكسه، فإنه ينبغي أن تُقدَّم عند دخول الخَلاء اليُسرى، وعند الخروج اليُمنى؛ لأنَّه خروج إِلى أكمَل وأفضلَ))(5).
أما بخصوص دخول المسجد فقد عنون البخاري في «صحيحه» فقال رحمه الله:
باب التيمُّن في دخول المسجد وغيره:
وكان ابن عمر يبدأ برجله اليمنى، فإذا خرج بدأ برجله اليسرى.
حدثنا سليمان بن حرب: ثنا شعبة، عن الأشعث بن سليم، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحبُّ التيمن ما استطاع في شأنه كله، في طهوره، وترجله، وتنعله(6).
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في «شرحه»: ((وقد سبق هذا الحديث في باب: التيمن في الوضوء والغسل. وبسطنا القول عليه هناك، أنه يدل على تقديم اليمنى في الأفعال الشريفة، واليسرى فيما هو بخلاف ذلك، فالدخول إلى المسجد من أشرف الأعمال، فينبغي تقديمُ الرِّجل اليمنى فيه كتقديمها في الانتعال، والخروج منه بالعكس، فينبغي تأخير اليمنى فيه، كتأخيرها في خلع النعلين))(7).
وفي الباب قول أنس بن مالك رضي الله عنه: من السُّنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى(8).
قال الألباني رحمه الله في «الثمر المستطاب»:
((5 – أن يبتدئ دخوله بالرجل اليمنى فإن ذلك من السنة كما قال أنس ابن مالك رضي الله عنه: من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى. أخرجه الحاكم ومن طريقه البيهقي، عن شداد أبي طلحة قال: سمعت معاوية بن قرة يحدث عنه به، واختلفا فيه فقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم، فقد احتج بشداد بن سعيد أبي طلحة الراسبي» ووافقه الذهبي وخالفه تلميذه البيهقي فقال: «تفرد به شداد بن سعيد أبو طلحة الراسبي وليس بالقوي». والحق ما قاله الحاكم أنه على شرط مسلم؛ لكن الراسبي هذا متكلَّم فيه، فينزل حديثه عن رتبة الصحيح إلى منزلة الحسن، فقد قال فيه الذهبي: «إنه صالح الحديث». وقال الحافظ في «التقريب»: «إنه صدوق يخطئ». وأورد حديثه هذا في «الفتح» ولم يضعفه، فالحديث حسن وله شاهد موقوف فقال البخاري: «باب التيمن في دخول المسجد وغيره: وكان ابن عمر يبدأ برجله اليمنى فإذا خرج بدأ برجله اليسرى». هكذا أخرجه تعليقًا. وقال الحافظ: «ولم أره موصولًا». والقسم الأول منه يُؤيِّده عموم حديث عائشة رضي الله عنه قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبُّ التيمن ما استطاع في شأنه كله؛ في طهوره وترجله وتنعله. أخرجه البخاري ومسلم. وقد احتج به البخاري في هذا الباب، وقال الحافظ بعد أن ساق حديث أنس السابق: «والصحيح أن قول الصحابي: من السنة كذا.. محمول على الرفع؛ لكن لما لم يكن حديث أنس على شرط المصنف أشار إليه بأثر ابن عمر، وعموم حديث عائشة يدلُّ على البداءة باليمين في الخروج من المسجد أيضًا، ويحتمل أن يقال: في قولها: ما استطاع احترازًا عما لا يستطاع فيه التيمُّن شرعًا كدخول الخلاء والخروج من المسجد وكذا تعاطي الأشياء المستقذرة باليمين كالاستنجاء والتمخط، وعلمت عائشة رضي الله عنه حُبَّه صلى الله عليه وسلم لما ذكرت، إما بإخباره لها بذلك وإما بالقرائن))(8).
والله تعالى أعلى وأعلم.
_____________________
(1) أخرجه أبو داود في كتاب «الطهارة» باب «كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء» حديث (32)، وذكره الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (32).
(2) «شرح النووي على صحيح مسلم» (3/160).
(3) «مجموع الفتاوى» (21/109).
(4) «السيل الجرار» (1/64).
(5) «الشرح الممتع» (1/108).
(6) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «التيمن في دخول المسجد وغيره» حديث (426)، ومسلم في كتاب «الطهارة» باب «التيمن في الطهور وغيره» حديث (268).
(7) «فتح الباري» لابن رجب (3/193).
(8) أخرجه الحاكم في «مستدركه» (1/338) حديث (791)، وقال الحاكم: «حديث صحيح على شرط مسلم».