لجوء متخاصمين للقضاء الوضعي لفشلهم في الحل عن طريق التحكيم الشرعي

نحن مجموعة من الشركاء تفاقمت بيننا الخصومات، وفشلنا في حلها صلحًا عن طريق التحكيم الشرعي، ولجأنا إلى القضاء الوضعي لدفع المظالم واستخلاص الحقوق المضيعة التي عجز التحكيم الشرعي عن استعادتها، وصدر حكم بسجن الطرف المعتدي بعد ثبوتِ ما اتُّهم به من مخالفات مالية وإدارية جسيمة اقتضت توقيع أقصى العقوبات عليه، والآن يأتي ليقول تتحاكمون إلى القضاء الوضعي، وتبذلون الرشاوى للقضاء للحكم بغير الحق، والله يعلم أنه مفترٍ فيما رمانا به والله حسيبه، وقد كانت بيننا عشرة ومودة، وعاش فترة بيننا كان فيها رمزًا نُجِلُّه، ثم نكس للأسف على رأسه ونكص على عقبيه، وأصبح يأتي من المواقف ما لا يليق بالعامة والدهماء. فما هي مشروعية لجوئنا إلى القضاء الوضعي إذا عجزنا عن استخلاص الحقوق ودفع المظالم عن طريق التحكيم الشرعي؟ وهل نأثم إذا أيدت محكمة الاستئناف حكمَ المحكمة الابتدائية وسُجن الطرف المعتدي في هذه القضية؟ أفتونا مأجورين.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإنه يرخص في اللجوء إلى القضاء الوضعي عندما يتعين سبيلًا لاستخلاص حق أو دفعِ مظلمة في بلدٍ لا تحكمه الشريعة، لانعدام البديل الشرعي القادر على ذلك، سواء أكان ذلك داخلَ بلاد الإسلام أم كان خارجها، ويقيد ذلك بما يلي:
• تعذر استخلاص الحقوق أو دفع المظالم عن طريق القضاء أو التحكيم الشرعي، لغيابه، أو العجز عن تنفيذ أحكامه.
• اللجوء إلى بعض حملة الشريعة لتحديد الحكم الشرعي الواجب التطبيق في موضوع النازلة، والاقتصار على المطالبة به والسعي في تنفيذه؛ لأن ما زاد على ذلك ابتداءً أو انتهاء خروجٌ على الحق وحكمٌ بغير ما أنزل الله.
• كراهية القلب للتحاكُمِ إلى القضاء الوضعي، وبقاء هذا الترخُّص في دائرة الضرورة والاستثناء.
وصفوة القول أن اللجوءَ إلى القضاء الوضعي عند انعدام البديل الشرعي القادر على رد الحقوق واستخلاص المظالم رخصةٌ في ضوء القيود السابقة، وقد صدر بهذا قرار مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا.
وقد أرسلتم لي من الوثائق ما يقطع بأن صاحبكم قد ارتكبَ جملة من المخالفات الجسيمة التي تستوجب العقوبات التعزيرية: الشرعية والمدنية، وقد عجزتم عن رده إلى الحق عن طريق الوساطات والشفاعات، فلجأتم إلى القضاء الوضعي لاستعداء سلطانه لإنفاذ الحق الشرعي الذي عجزتم عن إنفاذه عن طريق التحكيم.
فإن كان ذلك كذلك فليس عليكم في ذلك من حرج، وقد وسطتم في التماس التحكيم الشرعي بينكم وبينه أقرب الناس إليه، وأعرف الناس به، وأرجاهم تأثيرًا عليه، فباءت كل هذه المحاولات بالخيبة والفشل.
والحكم الذي صدر يندرج في الأحكام الشرعية تحت العقوبات التعزيرية، ولو وجد قضاء شرعي، وثبت لديه ما ثبت لدى هذا القضاء الوضعي، فلا حرج عليه إذا قضي بمثله، فلسنا أمام جريمة حَدِّيَّة فيها عقوبةٌ شرعية معينة قد تجاوزها القضاءُ الوضعي إلى غيرها.
وأما تشنيع صاحبكم عليكم باللجوء إلى القضاء الوضعي فأخشى أن يكون لونًا من الابتزاز النفسي والتوظيف السيء لحقائق شرعية في مخاصمات ظالمة؛ لأنه- كما تذكر الوثائق المرفقة- قد فعل ذلك من قبلُ عندما طعن في الذمة المالية لمدير الخزينة، واتهمه بالسرقة، واستصدر ضدَّه حكمًا بالحبس، لولا تدخلكم وتكاتفكم لتبرئته، فما كان جوابًا له عن هذا يكون جوابًا لكم عن ذلك.
وعلى كل حال فإن سيرته معكم منذ اندلاع هذه الفتنة ومسلكه في التعامل معها من البداية هي التي تؤكد هذه الخشية أو تنفيها، وهي التي تقرر إن كان هناك ازدواجية في التعامل، وتطفيف في الكيل، أم أنه مجرد الالتباس والذهول.
إن حديثنا نحن أهل الدين عن الحاكمية، والجاهلية، والتوحيد، وأصل الدين، وحد الإسلام، والتوقف، والعذر بالجهل، إلى غير ذلك من الشعارات الكبيرة لا ينبغي أن يقف عند حدود قول القلب ودعاوى اللسان، بل ينبغي أن يتجاوز ذلك إلى عمل القلب، وهو اللطيفة الربانية التي تضبط سلوك أصحابها، وترسم سيرتهم، وتحكم مسيرتهم؛ حتى لا نكون فتنةً للناس وقُطَّاعَ طرق على طريق الدعوة إلى الله والهداية إليه، وحتى لا نكون ممن وُصِفُوا في السنة بأنهم يقولون من قول خير البرية، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، مفتونةً قلوبُهم وقلوبُ من يعجبهم شأنهم(1). لاسيما وأن أعمار جل أطراف هذه الخصومة تتراوح ما بين الستين والسبعين، وهو متوسط أعمار هذه الأمة. وكفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا(2).
ومما يحير في تقدير هذا الموقف اتهامُه لكم بأنكم قد لجأتم إلى الرشوة لاستصدار هذا الحكم القضائي، فإن كنتم قد لجأتم إلى الرشوة فعلًا كما زعم كان هذا آية على صدقه، وبرهانًا على مظلمة واقعة عليه، وإن كان هذا لم يحدث فهو برهان على ما لا نحبُّ أن يوصف به من الكذب، والفجر في الخصومة، والتماس العيب للبُرَءَاء، والبهتان الذي لا يجرؤ عليه رجلٌ لديه بقية من دين أو من مروءة.
ومما يزيد في الحيرة حتى تبلغ مبلغَ الاستغلاق قولُه في رسالته إلى ابنة المستفتي (أنا لم أتهم والدكم بدفع رشاوى للقاضي فلماذا ينفي عن نفسه هذا الأمر؟!) في الوقت الذي تضمنت رسالته ما يلي: (لقد أبلغني ابني أن ابنكم الحبيب أبلغه استعدادكم للإصلاح بيني وبين أخي ووالدكم بعد أن تحولت المودة بيننا إلى عداوة وانتقام، استباح فيها والدكم ما لا يخطر على البال من كل منكر وظلم، حتى أصبح كل همه أن يفوز ويسعد بحكم من المحاكم الوضعية بسجني، وليت ذلك بحق ولكن بالافتراء والكذب الواضح ودفع الرشاوى للقضاة عن طريق المحامي النصراني الذي وكَّلَه في رفع الدعاوى ضدي بخيانة الأمانة). وإننا ننزهه أن نقول له: إذا كنت كذوبًا فكن ذَكُورًا، بل نقول: لعله الذهول بسبب الكبر.
ولقد روى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ـ ويقول: والذي نفس محمد بيده؛ ما تواد اثنان ففرق بينهما، إلا بذنب يحدثه أحدهما!!! وقد حسنه العلامة أحمد شاكر، وصححه بطرقه الشيخ شعيب الأرناؤوط، وأورد موضع الشاهد الألباني في صحيح الأدب المفرد من حديث أنس.
قال المناوي في فيض القدير: (ما تواد) بالتشديد (اثنان في الله، فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما) فيكون التفريق عقوبة لذلك الذنب؛ ولهذا قال موسى الكاظم: إذا تغير صاحبك عليك، فاعلم أن ذلك من ذنب أحدثته، فتب إلى الله من كل ذنب، يستقيم لك وده. وقال المزني: إذا وجدت من إخوانك جفاء، فتب إلى الله، فإنك أحدثت ذنبا، وإذا وجدت منهم زيادة ود، فذلك لطاعة أحدثتها، فاشكر الله تعالى. انتهى.
لقد كنا نحب له أن يكون استبساله وتصلبه في قضية تتعلق بالمنهج الذي ينتسب إليه، أو الرسالة التي نذر حياته لها، ولو فعل لكان استبسالًا شريفًا يُذكر له فيحمد عليه ويثنى عليه به.
وكم يسوءُنا علم الله أن تكون خصومتنا على لعاعةٍ من الدنيا نهدم بها رصيدَنا، ونهيل بها التراب على تاريخنا، ونفقد بها كثيرًا من رفقاء عمرنا، وتجعل من أقرب المقربين إلينا وألصقهم بنا خصومًا لنا، وقد كنا يومًا ما بمثابة الرمز والملهم لهم، فتلك نهاية بئيسة، وخواتيم سوء! أسأل الله أن يستنقذنا من براثنها قبل أن تفرط أنفاس المعتدي منا على هذا البغي.
وأخيرًا إن كان ثمَّةَ سبيل إلى تحكيم شرعي فهو أولى لكم فأولى، ثم أولى لكم فأولى، وهذه المدة الانتقالية التي يستغرقها استئناف الحكم لدى محكمة الاستئناف مدة كافية لاختبار الإرادات، فإن استكان المعتدي للحقِّ ورجع إلى جادته، فهذا أرضى لله عز وجل وأعبد له، وأحب إلى قلوب المؤمنين من عباده، وأوفى لعشرة قديمة كان ينبغي أن يُحافظ عليها، فإنَّ «حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الإِيمَانِ»(3).
وإن أبى فدعوه لقدر الله عز وجل، فقد ينقض هذا الحكم في محكمة الاستئناف، وقد تؤيده فتكون فرصةً له للخلوة مع النفس لمراجعتها ومحاسبتها على ما أسلفت، وقد يكون في هذا خير له في دينه ودنياه، فقد تأتي المنحة لبعض الناس في صورة محنة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب يوم القيامة.
ولكن التنازل الآن عن الدعوى قبل رجوع المعتدي عن بغيه إضاعةٌ للحق وخذلان لأصحابه، وإعانةٌ للشيطان على هذا المبتلَى، فلا يجمل ديانةً ولا سياسةً. والله المستعان. والله تعالى أعلى وأعلم.

______________
(1) أخرج الطبراني في «الأوسط» (7/183) حديث (7223)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (2/540) حديث (2649)، من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا، وَإِيَّاكُمْ وَلُـحُونَ أَهْلِ الْفِسْقِ وَالْكَبَائِرِ؛ فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أَقْوَامٌ مِنْ بَعْدِي يُرَجِّعُونَ الْقُرْآنَ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ وَالرَّهْبَانِيَّةِ وَالنَّوْحِ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، مَفْتُونَةٌ قُلُوبُهُمْ وَقُلُوبُ مَنْ يُعْجِبُهُمْ شَأْنُهُمْ». وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (7/169) وقال: «رواه الطبراني في الأوسط وفيه راو لم يسم وبقية أيضًا».
(2) عجز بيت من بحر الطويل، وهو لسحيم؛ عبد حبشي اشتراه بنو الحسحاس وهم بطن من بني أسد. وهو شاعر مجيد عرف بغزله الصريح وتشبيبهه ببنات أسياده. شاعر مخضرم أدرك الإسلام وأسلم وقد تمثل النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من شعره، ويروى أنه تمثل قوله: «كفى بالشيب والإسلام للمرء ناهيًا».
(3) أخرجه الحاكم في «مستدركه» (1/ 62) حديث (40)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (1/ 319) حديث (1000)، والطبراني في «الكبير» (23/ 14) حديث (23)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين فقد اتفقا على الاحتجاج برواته في أحاديث كثيرة وليس له علة»، وذكره الألباني في «صحيح الجامع» حديث (2056).

تاريخ النشر : 25 فبراير, 2026
التصنيفات الموضوعية:   05 السياسية الشرعية, 18 القضاء

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend