عندي سؤال حول بيع الصرف وحكم الورقة النقدية.
اشترى بعض طلبة ماليزيين رينجيت واحد بـ ٢.٥٠ جنيه مصري نسيئةً، دون التقابض. فهل يصح هذا العقد؟
هم يقولون بعدم جريان الأوراق النقدية مجرى أحكام الذهب والفضة، فلا ربًا حينئذٍ في الأوراق النقدية، فيا مولانا هل يصح هذا الرأي؟
لأنهم ما باعوا ولا اشتروا ١٠٠٠ رينجيت ولا ١٠،٠٠٠ رينجيت، بل مائة ألف رينجيت. جزاكم الله خيرًا.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن الأوراق النقدية المعاصرة تجري عليها أحكامُ الذهب والفضة عند التعامل، فإن بعت عملةً بجنسها وجب التماثل والتقابض، وإن بعتها بغيرِ جنسها وجب التقابض، وقد صدر بهذا قرار هيئة كبار العلماء في بلاد الحرمين ونصه ما يلي:
قرار هيئة كبار العلماء رقم (10) وتاريخ 17/4/1393هـ:
بناءً على أن النقد هو كلُّ شيء يجري اعتباره في العادة أو الاصطلاح، بحيث يلقى قبولًا عامًّا كوسيط للتبادل، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: ((وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح؛ وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به، بل الغرض أن يكون معيارًا لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها، بل هي وسيلة إلى التعامل بها؛ ولهذا كانت أثمانًا…)).
إلى أن قال: ((…والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض، لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت))([1]). اهـ.
وذكر نحو ذلك الإمام مالك في «المدونة» من كتاب الصرف حيث قال: ((ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلودَ حتى تكون لها سكَّةٌ وعَيْنٌ لكَرِهْتُها أن تباعَ بالذهب والورق نَظِرَةً))([2]). اهـ.
وحيث إن الورق النقديَّ يلقى قبولًا عامًّا في التداول، ويحمل خصائص الأثمان من كونه مقياسًا للقيم ومستودعًا للثروة، وبه الإبراء العام، وحيث ظهر من المناقشة مع سعادة المحافظ: أن صفة السندية فيها غير مقصودة، والواقع يشهد بذلك ويؤكده، كما ظهر أن الغطاء لا يلزم أن يكون شاملًا لجميع الأوراق النقدية، بل يجوز في عرف جهات الإصدار أن يكون جزءًا من عملتها بدون غطاء، وأن الغطاء لا يلزم أن يكون ذهبًا، بل يجوز أن يكون من أمور عدة: كالذهب والعملات الورقية القوية، وأن الفضة ليست غطاءً كليًّا أو جزئيًّا لأي عملة في العالم.
كما اتضح أن مقومات الورقة النقدية قوة وضعفًا مستمدة مما تكون عليه حكومتها من حال اقتصادية، فتقوى الورقة بقوة دولتها وتضعف بضعفها، وأن الخامات المحلية؛ كالبترول والقطن والصوف لم تعتبر حتى الآن لدى أي من جهات الإصدار غطاء للعملات الورقية.
وحيث إن القولَ باعتبار مطلق الثمنية علَّةً في جريان الربا في النقدين هو الأظهر دليلًا، والأقرب إلى مقاصد الشريعة، وهو إحدى الروايات عن الأئمة مالك([3]), وأبي حنيفة([4]), وأحمد. قال أبو بكر: «روي ذلك عن أحمد جماعة، كما هو اختيار بعض المحققين من أهل العلم؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما».
وحيث إن الثمنيةَ متحققةٌ بوضوح في الأوراق النقدية؛ لذلك كله فإن هيئة كبار العلماء تقرر بأكثريتها: أن الورق النقدي يعتبر نقدًا قائمًا بذاته كقيامِ النقدية في الذهب والفضة وغيرها من الأثمان، وأنه أجناس تتعدد بتعدد جهات الإصدار، بمعنى: أن الورق النقدي السعودي جنس، وأن الورق النقدي الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقلٌّ بذاته، وأنه يترتب على ذلك الأحكام الشرعية الآتية:
أولًا: جريان الربا بنوعيه فيها، كما يجري الربا بنوعيه في النقدين: الذهب, والفضة, وفي غيرهما من الأثمان كالفلوس، وهذا يقتضي ما يلي:
(أ) لا يجوز بيع بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما – نسيئة مطلقًا، فلا يجوز مثلًا بيع الدولار الأمريكي بخمسة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر نسيئةً.
(ب) لا يجوز بيع الجنس الواحد منه بعضه ببعض متفاضلًا، سواء كان ذلك نسيئة أو يدًا بيد، فلا يجوز مثلًا بيع عشرة أريلة سعودية ورق بأحد عشر ريالًا سعوديًّا ورقًا.
(ج) يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقًا، إذا كان ذلك يدًا بيد، فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية بريال سعودي، ورقًا كان أو فضة، أو أقل من ذلك أو أكثر، وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر إذا كان ذلك يدًا بيد، ومثل ذلك في الجواز بيع الريال السعودي الفضة بثلاثة أريلة سعودية ورق أو أقل أو أكثر يدًا بيد؛ لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه ولا أثر لمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة.
ثانيًا: وجوب زكاتها إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة، أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة إذا كانت مملوكة لأهل وجوبها.
ثالثًا: جواز جعلها رأسَ مال في السلم والشركات.
والله تعالى أعلى وأعلم، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
_________________________
([1]) «مجموع الفتاوى» (19/252).
([3]) جاء في «الفواكه الدواني» للنفراوي (2/74): «وقع خلاف في علة الربا في النقود، فقيل غلبة الثمنية، وقيل مطلق الثمنية».
([4]) جاء في «بدائع الصنائع» للكاساني (5/185): «صحابنا: علة ربا الفضل في الأشياء الأربعة المنصوص عليها الكيل مع الجنس، وفي الذهب، والفضة الوزن مع الجنس فلا تتحقق العلة إلا باجتماع الوصفين، وهما القدر، والجنس، وعلة ربا النساء هي أحد، وصفي علة ربا الفضل إما الكيل، أو الوزن المتفق، أو الجنس، وهذا عندنا».