ما هو وقت الفطر بالنسبة للمسافر؟ هل هو ميقات البلد الذي سافر منه؟ أم البلد الذي سيسافر إليه؟ أم ميقات الطائرة؟ وإن كان ميقات الطائرة فهل ينظر إلى ميقاتها وهي في الجو أم ينظر إلى الميقات الأرضي للمكان الذي تحَلِّق فيه الطائرة؟ أفتونا مأجورين.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فقد جعل الله لبدءِ الصوم وانتهائه ميقاتًا منضبطًا في كتابه الكريم، فقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]
فإذا طلع الفجر الصادق وجب الإمساكُ، وإذا غابت الشمس وجب الإمساكُ، وفي الحديث المتفق عليه قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا- يعني من جهة المشرق- وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا- يعني من جهة المغرب- وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ: فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»(1).
والمقصود بالغروب أو الليل: سقوطُ كامل قُرص الشمس واختفاؤُه، إمَّا حسًّا برؤيته هو، أو بإخبار من يثق في خبره، ولا عبرة بالحُمرة الباقية في الأفق، فحيث غاب القرص غيابًا كاملًا، فقد حلَّ الفطر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((إذا غاب قرصُ الشمس: حينئذ يُفطر الصائم، ويزول وقتُ النهي، ولا أثر لما يبقى في الأفق من الحمرة الشديدة في شيء من الأحكام))(2).
وإذا كان الشارع قد علَّق الفطر بغياب قرص الشمس، وكان هذا الغياب يختلف من مكان لآخر، وكذلك يختلف في المكان الواحد بالنسبة لمن هو في مكان منخفض أو مكان مرتفع- فقد تمهَّد أن لكل إنسان حكمَه بحسب المكان الذي يوجد فيه لحظة الغروب، فلا يُفطر حتى تغرب الشمس عن المكان الذي هو فيه، سواء غابت في مكان آخر أم لا.
وبناء على ذلك فلا عبرة إذن بالمكان الذي أقلع منه المسافر، ما دام قد فارقَه، ولا بالمكان الذي يُريد أن يصل إليه ما دام لم يصل إليه، بل ولا عبرة بالميقات الأرضي للمكان الذي تُحلِّق فوقَه الطائرة، بل العبرة بغياب الشمس في الفضاء الذي تحلِّق فيه الطائرة لمن هم على ظهرها.
ولا يجوز للطيار أن يهبط إلى مستوى لا تُرى فيه الشمس لأجل الإفطار؛ لأنه تحايل، لكن إن نزل لمصلحة الطيران فاختفى قرص الشمس أفطر.
فمن كان يسكن في ناطحات السحاب مثلًا لا يُفطر حتى تغيب عن الأفق بالنسبة لنظره هو، وإن غابت بالنسبة لمن هم في مستوى سطح الأرض.
قال فخر الدين الزيلعي: ((وروي أن أبا موسى الضرير الفقيه صاحب «المختصر» قدم الإسكندرية فسُئل عمَّن صعد على منارة الإسكندرية فيرى الشمس بزمان طويل بعدما غربَت عندهم في البلد، أيحلُّ له أن يُفطر فقال: لا. ويحل لأهل البلد لأن كلًّا مخاطب بما عنده))(3).
وقال ابن عابدين في «حاشيته»: ((قال في الفيض: ومن كان على مكان مرتفع كمنارة أسكندرية لا يفطر ما لم تغرب الشمس عنده، ولأهل البلدة الفطرُ إن غربت عندهم قبله، وكذا العبرة في الطلوع في حق صلاة الفجر أو السحور))(4).
وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء ببلاد الحرمين حيث قالت: (( لكل صائم حكم المكان الذي هو فيه، سواء كان على سطح الأرض أم كان على طائرة في الجو))(5).
وقالت في موضع آخر: ((إذا كان الصائم في الطائرة واطلع بواسطة الساعة والتليفون عن إفطار البلد القريبة منه وهو يرى الشمس بسبب ارتفاع الطائرة: فليس له أن يفطر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]. وهذه الغاية لم تتحقق في حقِّه ما دام يرى الشمس))(6). والله تعالى أعلى وأعلم.
______________
(1) متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب «الصوم» باب «متى يحل فطر الصائم» حديث (1954)، ومسلم في كتاب «الصيام» باب «بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار» حديث (1100) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(2) «شرح العمدة» لابن تيمية (4/169).
(3) «تبيين الحقائق» (1/321-322).
(4) «حاشية ابن عابدين» (2/419-420).
(5) «فتاوى اللجنة الدائمة» (10/ 297).
(6) «فتاوى اللجنة الدائمة» (10/ 137).