حمل المأموم المصحف للفتح على الإمام عند خطئه

شيخنا ومولانا، أخونا وصديقنا وحبيبنا، فضيلة الدكتور صلاح الصاوي حفظه الله. تقبل الله منَّا ومنكم طاعاتنا، وبارك الله لنا ولكم فيم بقي من شهر رمضان، وبعد:
فما الحكم في الفتح على الإمام، من مقتدٍ يُحسن البيانَ، بين دفتي يديه مصحف الرحمن، في المكتوبة، والنافلة من تراويح أو قيام. أفيدونا نفع الله بكم، وجزاكم عنا وعن المسلمين خير الجزاء، وجمعني الله وإياكم في عليين مع خير الأنام. حفظكم الله، ودمتم لنا وللمسلمين ذخرًا.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فهنا قضيتان: الفتح على الإمام، وكون ذلك من المصحف.
أما الفتح على الإمام، وإطعامه إذا استطعم مَنْ خَلْفَه فهو مشروعٌ في الصحيح من أقوال أهل العلم، ومن الأدلة على ذلك:
• ما رواه أحمد رحمه الله، وأبو داود رحمه الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى فترك آيةً، فقال له رجل: يا رسول الله، آيةُ كذا وكذا؟ قال: «فَهَلَّا ذَكَّرْتَنِيهَا؟»(1).
• وما رواه أبو داود أيضًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى صلاةً فقرأ فيها فتلبس عليه، فلما انصرف قال لأُبَيٍّ: «أَصَلَّيْتَ مَعَنَا؟». قال: نعم. قال: «فَمَا مَنَعَكَ؟!»(2).
وما روي عن أنس رضي الله عنه قولَه: كنا نفتحُ على الأئمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم(3).
• وما رواه البيهقي أيضًا عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه: إذا استطعمك الإمام فأطعمه(4). يعني: الفتح عليه، وقد ورَد عن عدد من الصحابة والتابعين استحبابُ الفتح على الإمام.
وهناك جملةٌ من الآداب ينبغي مراعاتها عند الفتح على الإمام:
• عدمُ المبادرة بالفتح على الإمام إلا إذا عُلِم أن سكوته بسبب النسيان، فقد يكون سكوته لالتقاط أنفاسه، أو استحضار ذهنه، أو لجفاف حلقه، أو انقطاع نَفَسه ونحوه. وقد يكون سكوته للدعاء، فالواجبُ إمهالُه، وعدمُ مبادرته بالفتح عليه.
وفي الباب حديث حذيفة رضي الله عنه قال: صلَّيت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذاتَ ليلة فافتتح البقرة، فقلتُ: يركعُ عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مسترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ(5).
• أن يكون من يفتح على الإمام على ثقةٍ من حِفظه، ومخالفة إمامِه للصواب، فإنَّ في القرآن الكريم الكثيرَ من المتشابه في اللفظ؛ لاسيما إذا كان الإمامُ مجيدًا وعالمًا بالقراءات، فقد يقرأ الإمام بقراءة، والمأموم لا يعلم بها، فلا يفتح عليه إلا إذا تيقن أن الحرفَ الذي أخطأ فيه الإمام ليس حرفًا متواترًا، أو علم أن الإمام لا يعرف إلا قراءة واحدة من القراءات المتواترة، فيكون تجاوزُه عنها خطأً.
ومن الأدلة على ذلك ما رواه البخاري بإسناده إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعتُ هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأَنِيها، وكدتُ أن أعجل عليه، ثم أمهلتُه حتى انصرف، ثم لببتُه بردائه فجئتُ به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني سمعتُ هذا يقرأ على غير ما أقرأتَنيها، فقال لي: «أَرْسِلْهُ». ثم قال له: «اقْرَأْ». فقرأ: قال: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ». ثم قال لي: «اقْرَأْ». فقرأت، فقال: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ؛ إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ»(6).
وفيه من الفقه أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقرَّ عمر على سكوته، وقد سمع قراءة مخالفة لما تعلَّمه، ولم يردَّ على هشام بن حكيم حتى انتهى من صلاته.
• ينبغي أن يتولى الفتحَ على الإمام من كان يصلي بجواره، أو يليه من خلف ظهره، ولا يكون ذلك للبعيد عنه، وينبغي أن تصطلح الجماعة على واحد يتولى هذه المهمة، منعًا من التشويش واختلاط الأصوات.
• ولا ينبغي أن يتولى ذلك النساء؛ لأنها مُنِعت من التسبيح تنبيهًا للإمام لئلَّا يخرج صوتها في الصلاة، فمن باب أولى أن تمنع من الفتح عليه.
أما متابعة الإمام من المصحف للفتح عليه فذلك من مواضع النظر بين أهل العلم، والجمهور(7) على جوازه عند الحاجة، وكراهيته فيما عداها.
أما جوازه عند الحاجة فمن أدلته:
– ما ورد أن أنس كان يُصلي وغلامٌ خلفه يمسك له المصحف وإذا تعايَا في آية فتح له المصحف.
– وما رواه البخاري تعليقًا من أن ذكوان مولى عائشة كان يصلي بها في الليل من المصحف(8).
ورواه كذلك البيهقي وابن أبي شيبةَ بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها: أنها كان يؤمها غلامها ذكوان من المصحف في رمضان(9).
قال الزهري: «كان خيارنا يقرءون من المصاحف(10).
وإذا جاز للإمام للحاجة جاز لمن يتابعة للفتحِ عليه كذلك لنفس العلة.
وقد منع الأحناف(11) من ذلك لكونه عملًا كثيرًا. وهو مردودٌ بعمل ذكوان بين يدي عائشة، وحملُ المصحف ليس أكثر من حمل أُمامة التي حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي صغيرة (بنت بنته) في الصلاة، فكان إذا ركع وضعَها وإذا رفع حملها(12).
وقد أطلق أبو يوسف ومحمد من الأحناف جوازَ ذلك مع الكراهة(13).
أما المنعُ منه لغير الحاجة فلكونه عملًا كثيرًا بغيرِ حاجةٍ؛ ولما يتضمنه من فواتِ بعض السُّنن كذلك بغير حاجة، كوضع اليمنى على اليسرى، والنظر إلى موضع السجود ونحوه. فما لم تدع إلى ذلك حاجة فلا ينبغي أن يُصار إليه.
وممن أجاز ذلك عند الحاجة من العاصرين ومنعه في غيرها الشيخُ ابن باز رحمه الله وابن عثيمين؛ فقد سُئل الشيخ ابن باز رحمه الله: ما حكم حمل المأموم للمصحف في صلاة التراويح؟
فأجاب سماحته: لا أعلم لهذا أصلًا؛ والأظهر أن يخشع ويطمئن ولا يأخذ مصحفًا، بل يضع يمينه على شماله كما هي السنة، يضع يده اليمنى على كفه اليسرى- الرسغ والساعد- ويضعهما على صدره، هذا هو الأرجح والأفضل، وأخذ المصحف يشغله عن هذه السنن؛ ثم قد يشغل قلبه وبصره في مراجعة الصفحات والآيات وعن سماع الإمام. فالذي أرى أنَّ ترك ذلك هو السنة، وأن يستمع وينصت، ولا يستعمل المصحف؛ فإن كان عنده علمٌ فتَح على إمامه، وإلاَّ فتح غيرُه من الناس، ثم لو قُدِّرَ أنَّ الإمام غلط، ولم يُفْتَح عليه، ما ضرَّ ذلك في غير الفاتحة، إنَّما يضر في الفاتحة خاصَّةً؛ لأنَّ الفاتحة ركن لابدَّ منها، أمَّا لو ترك بعض الآيات من غير الفاتحة ما ضرَّه ذلك إذا لم يكن وراءه من ينبهه. ولو كان أحدٌ يحمل المصحف على الإمام عند الحاجة فلعل هذا لا بأس به، أما أنَّ كل واحد يأخذ مصحفًا؛ فهذا خلاف السنة.
وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ما حكم متابعة الإمام من المصحف في الصلاة؟
فأجاب سماحته بقوله: متابعةُ الإمام في المصحف معناه أن المأمومَ يأخذ المصحف ليتابع الإمام في قراءته، وهذا إن احتيج إليه- بحيث يكون الإمامُ ضعيفَ الحفظ فيقول لأحد المأمومين: أمسك المصحف حتى تردَّ عليَّ إن أخطأت- فهذا لا بأس به لأنه لحاجة.
وأما إذا لم يكن على هذا الوجه؛ فإنني لا أرى أن الإنسان يتابع الإمام من المصحف؛ لأنه يفوِّت مطلوبًا، ويقع في غير مرغوب فيه، فيفوت النظرَ إلى موضع سجوده، وكذلك وضع اليدين على الصدر، وهو من السنة، ويقع في غير مرغوب فيه وهو الحركة بحمل المصحف، وفتحِه، وطيِّه، ووضعِه. وهذه كلها حركات لا حاجة إليها.
وفي فتاوى دار الإفتاء المصرية (القراءة من المصحف في الصلاة جائزةٌ شرعًا ولا كراهة فيها؛ سواء أكان ذلك في الفريضة أم النافلة.)
وفي فتاوى دار الإفتاء الاردنية (القراءة من المصحف أثناء الصلاة عمل مكروه في مذهبنا، لاشتماله على الحركة اليسيرة، ولكن الصلاة صحيحة جائزة إن شاء الله تعالى. جاء في كتاب [أسنى المطالب 1 /183]: “لو قرأ في مصحف، ولو قلَّب أوراقه أحيانا لم تبطل -يعني الصلاة- لأن ذلك يسير، أو غير متوال، لا يشعر بالإعراض، والقليل من الفعل الذي يبطل كثيره إذا تعمده بلا حاجة مكروه” انتهى باختصار. وهو كذلك مذهب المالكية أيضا كما في [جواهر الإكليل 1 /74])
والخلاصة: أنه لا حرج في حمل المصحف للفتح على الإمام عند الحاجة إلى ذلك، كعدم وجود حافظٍ مجيد يفتح عليه إذا انسي ويطعمه إذا استطعمه، فإذا وجد الحافظ الذي تندفع به الحاجة فلا ينبغي حملُ المصحف للمأموم لما سبق من توجيه. والله تعالى أعلى وأعلم.

___________________
(1) أخرجه أحمد في «مسنده» (4/74) حديث (16738)، وأبو داود في كتاب «الصلاة» باب «الفتح على الإمام في الصلاة» حديث (907) من حديث المسور بن يزيد رضي الله عنه، وذكره الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (907).
(2) التخريج السابق.
(3) أخرجه الحاكم في «مستدركه» (1/410) حديث (1023). وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح وله شواهد ولم يخرجاه».
(4) أخرجه البيهقي في «الكبرى» (3/213) حديث (5584).
(5) أخرجه مسلم في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» باب «استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل» حديث (772).
(6) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الخصومات» باب «كلام الخصوم بعضهم في بعض» حديث (2419)، ومسلم في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» باب «بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه» حديث (818).
(7) جاء في «المبسوط» للسرخسي (1/193): «والفتح على الإمام لا يفسد الصلاة) يعني المقتدي، فأما غير المقتدي إذا فتح على المصلي تفسد به صلاة المصلي».
وجاء في «بداية المجتهد» (1/157): «وأما اختلافهم في الفتح على الإمام إذا أرتج عليه، فإن مالكا، والشافعي، وأكثر العلماء أجازوا الفتح عليه، ومنع ذلك الكوفيون».
وجاء في «مغني المحتاج» (1/196): «وهذا التفصيل يجري في الفتح على الإمام بالقرآن والجهر بالتكبير أو التسميع فإنه إن قصد الرد مع القراءة أو القراءة فقط أو قصد التكبير أو التسميع فقط أو مع الإعلام لم تبطل وإلا بطلت».
وجاء في «المغني» لابن قدامة (1/743): «إذا فتح على الإمام إذا ارتج عليه أورد عليه إذا غلط فلا بأس به في الفرض والنفل».
هذا في جواز الفتح على الإمام للماموم، أما في جواز حمل المصحف في الصلاة
فجاء في «المجموع شرح المهذب» (4/95): «القراءة في المصحف لا تبطل الصلاة مذهبنا … وأما التلقين في الصلاة فلا يبطلها عندنا بلا خلاف».
وجاء في «شرح التلقين» (1/682): « إمامة القارئ عندنا من المصحف تكره في الفرائض دون النفل. وهذا إذا ابتدأ الإمامة ناظرًا فيه. وأمّا أن يطلب منه حرفُ اوهو في أثناء الصلاة فإن ذلك منهي عنه في النفل والفرض…وقال بعض أصحابنا لا تفسد ولكنه يكره لأنه صنيع أهل الكتاب، ولأن النظر في المصحف ليس من أعمال الصلاة فيكره إدخاله فيها إلا أنها لا تفسد؛ لأن النظر عمل قليل»
وجاء في «كشاف القناع» (1/384): «وله) أي المصلي (القراءة في المصحف ولو حافظا)».
(8) أخرجه البخاري في تعليقًا عقب كتاب «الأذان» باب «إمامة العبد والمولى».
(9) أخرجه البيهقي في «الكبرى» (2/253) حديث (3183)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (2/123) حديث (7218).
(10) ذكره الإمام مالك في «المدونة» (1/288-289).
(11) جاء في «المبسوط» للسرخسي (1/201): «وإذا قرأ في صلاته في المصحف فسدت صلاته عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى صلاته تامة، ويكره ذلك» .
(12) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة» حديث (516)، ومسلم في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب «جواز حمل الصبيان في الصلاة» حديث (543)، من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه.
(13) جاء في «المبسوط» للسرخسي (1/201): «وإذا قرأ في صلاته في المصحف فسدت صلاته عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى صلاته تامة، ويكره ذلك» .

تاريخ النشر : 22 فبراير, 2026
التصنيفات الموضوعية:   02 الصلاة

فتاوى ذات صلة:

Send this to a friend